أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / الحماية القانونية للديمقراطية

الحماية القانونية للديمقراطية

images (10)بقلم: ناصر عمران الموسوي
الديمقراطية تعني باللغة اليونانية (حكم الشعب) والتي انسلت من السلوك الاداري القديم للنظام اليوناني لتعيش العصرنة السياسية بعد ان شكلت تاريخا حافلا من النضال الجماهيري والشعبي الذي حملها حلما ورؤية وقدم لطريقها الدم والدموع فاستقرت في وجدانه كعقيدة وهدف، غاية ووسيلة، اقول ان هذه الديمقراطية ليست مدينة الله التي رسمها القديس اوغسطين والتي تتزين بانتظار مسيحها المنتظر وليست مدينة السعادة الكاملة الضاجه بفضائلها والتي يتربع على عرشها امام عادل تتفتق من جوانبه الحكمة كما يراها الفارابي في مدينته الفاضلة، بل انها بكل بساطة سلوك نظامي اوجدته الآليات المنحازة للقدرة الجماهيرية والشعبية في انتاج الحاكم وعلاقته بالمحكوم.
والعراق واحد من البلدان الذي يرتكز على ثنائيات متعددة غاية في التعقيد لكنها بالمقابل ليست عصية على البساطة، فمنذ ان راحت الديمقراطية كنظام ترسم صورة الحياة في البلدان المتقدمة كان العراق يرزح تحت نير انظمة تتعاطى بالرؤية الواحدة المهيمنة بمنطق القوة وبصورة الجلاد، لذلك كان العراق نهما في التعاطي مع التنظير الديمقراطي الشحيح، فلم تكن الديمقراطية ضيفا في ربوع الوطن، بل كشفت صفحات تاريخه منذ التأسيس الاول للحكومة قي للعراق وحتى مرحلة التغيير عن انظمة مارست الاستبداد والدكتاتورية، حتى جاءت المرحلة الجديدة التي افرزت وليدها الاهم وهو الدستور الذي تحقق عن طريق الآليات الديمقراطية ولاول مرة في تاريخ العراق. والدستور هو الوثيقة التي تمنح الصفة القانونية لجميع القوانين المطبقة في الدولة، والتي تعتبر الآلية القانونية والسياسية للنظام الديمقراطي، وهي الوثيقة التي فوض بها الشعب حكامه وفق اطر دستورية وقانونية.
والنظام الديمقراطي بالمعنى العام هو نظام سياسي اجتماعي تكون فيه السلطة للشعب وهو مصدر السيادة والسلطة، ومن اهم مميزات النظام الديمقراطي هو ان تكون هناك دولة قانون تحترم حقوق الانسان وتصون الحريات وتعتمد على المؤسسات الدستورية وعلى نظام الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات التي يكون رأي الشعب فيها حاسما في اختيار حكامه وضمان هذا النظام هو الدستور الذي انتجته الارادة الشعبية عن طريق الاستفتاء؟
هنالك اتجاه يرى ان القواعد الدستورية هي قواعد قانونية لاتختلف عن غيرها مستنداً الى مبدأ (سمو الدستور) والذي يعني ان القاعدة الدستورية تحتل الهرم القانوني في الدولة وبالتالي فهي مصدر الشرعية وقانونية جميع القواعد القانونية في الدولة. وبما ان القاعدة الدستورية تمنح الصفة القانونية فهي بالتأكيد تملك ما تهب فهي ذات طبيعة
قانونية.
اما الاتجاه الثاني فينكر الطبيعة القانونية للقاعدة الدستورية واساس ذلك يكمن بعنصر الجزاء، فالسلطة العامة هي من تفرض الجزاء وفرض الطاعة على الافراد، والدستور هو من يضع لها القيود وبالتالي فان هذه السلطة هي المطالبة بفرض توقيع الجزاء على نفسها عند مخالفتها لهذه القيود الموضوعة لها، وهو الامر الذي استخلص منه الفقهاء ان القاعدة الدستورية ينقصها الجزاء والبعض يرى في هذا الجزاء بعدا ماديا تتكفل به السلطة العامة او بعدا معنويا يتمثل برد الفعل على المخالفة القانونية وهو رد فعل اجتماعي وبذلك يكون للقاعدة الدستورية عنصر الجزاء وهو جزاء غير مرسل يتمثل في اتجاهين: شعبي يتمثل بالضغط عن طريق المظاهرات والاحتجاجات والانتفاضات والثورات وهو ما نسميه (الرأي العام ) وهو جزاء غير منظم اما الجزاء المرسل المنظم والذي يشكل الاتجاه الثاني فهو دستوري ويتمثل بالرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والتي تخول اعضاء البرلمان مساءلة اعضاء السلطة التنفيذية.
اما الاتجاه الفقهي الاخير فيرى ان القاعدة الدستورية ذات طبيعة سياسية، والدساتير منذ نشأتها حملت رؤية القابضين على السلطة. والضمانة المهمة هنا هي وجود مؤسسات دستورية تضمن حماية الدستور وهي الجهة القضائية العليا وتمارس رقابتها القضائية على دستورية القوانين وهناك نوعان من الرقابة القضائية هما: رقابة الالغاء او مايسمى بطريق الدعوى المباشرة ويعني قيام الافراد او بعض هيئات الدولة باقامة دعوى امام القضاء بمهاجمة قانون او مادة قانونية والطعن بعدم دستوريتها وقد اخذ القانون الاساسي العراقي لعام 1925 بهذه الرقابة في المادة
(86 ).
والطريقة الاخرى هي: طريقة الامتناع والتي تسمى بالطريقة الدفاعية حيث هي تدفع بعدم الدستورية وهدفها دفع التطبيق القانوني في واقعة معينة دون المساس بأصل القانون وهو ما نراه بوضوح في الولايات المتحدة الاميركية والتي تبناها القاضي (مارشال ) الذي يبرر رؤياه ان الحق ناشئ من ثنائيتين هما سلطان القضاء وسمو الدستور فاذا وجد القاضي تنازعا عند التطبيق بين نص قانوني وآخر دستوري اخذ بالنص الدستوري كونه الاسمى والاعلى. وهناك صور للرقابة القضائية اخذ بها القضاء الاميركي هي (الرقابة بطريق الامر القضائي او الرقابة بطريق الاعلان القضائي او الحكم التقريري).
لقد اشار الدستور العراقي الدائم للعام 2005 وفي المادة (13) منه وبالنص على ان الدستور يكون الاعلى والاسمى في العراق ولايجوز سن قانون يخالف الدستور ويعد باطلا.
بالمقابل فان هناك ضمانات لحماية الدستور تتمثل بوجود هيئات نص عليها الدستور او القانون تشكل حماية وضمان للالتزام بالدستور واي خرق لهذا الدستور سيكون عرضة للطعن امام المحكمة الدستورية، ومن هذه الهيئات هي رئاسة الجمهورية حيث نصت المادة (67) من الدستور على ان (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يمثل سيادة البلد ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة اراضيه وفقا لاحكام الدستور) وهو احد رؤوس السلطة التنفيذية التي منحها الدستور وقرار المحكمة الاتحادية صلاحية تقديم مشاريع القوانين لمجلس النواب حسب الفقرة (ثالثا ) من المادة(73) التي نصت (يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب ،وتعد مصادق عليها بعد مضي خمسة عشر يوما من تاريخ تسلمها ) وطبقا لذلك يجوز لرئيس الجمهورية اعادة القوانين التي لا يصادق عليها الى مجلس النواب مشفوعة برؤية الرئاسة في الاعادة بخصوص الاعتراضات المقدمة منه، وشهد التطبيق العملي اعادة قوانين اوالمصادقة عليها في ضوء استقرار عملي وقبلها تنظيري باعتبار رئيس الجمهورية المحافظ والساهر على الالتزام بتطبيق الدستور.
واذا كان الدستور قد منح صلاحية حمايته برئيس الجمهورية فان قانون الادعاء العام رقم 159 لسنة 1979 وبخاصة في تعديله بموجب القانون رقم (10) لسنة 2006 والمنشور في الوقائع العراقية بالعدد (4028) في 13/11/2006 جاء في المادة (1) منه: يهدف هذا القانون الى تنظيم جهاز الادعاء العام لتحقيق ما يلي:
(اولا:حماية نظام الدولة وامنها ومؤسسـاتها، والحـــرص عـــلى الديمقراطية والمصالح العليا للشعب والحفاظ على اموال الدولة.
ثانيا: دعم النظام الديمقراطي الاتحادي وحماية اسسه ومفاهيمه في اطار احترام المشروعية واحترام تطبيق القانون).
ويبدو من نص المادة الاولى ان القانون كان واضحا في تبني جهاز الادعاء العام مهمة حماية الدولة ونظامها الديمقراطي والمحافظة على المال العام وحماية المشروعية وهذا يعني تطبيقا عمليا في تنفيذ مهمة الادعاء العام التي تحمل في طياتها جلبة دستورية واجتماعية وقضائية، ودور الادعاء العام يشكل دعامة لا غنى عنها في دعم اسس الدولة والنظام الديمقراطي، وقد آن الاوان لتشريع قانون يليق بالاهداف العظيمة لقانون الادعاء العام باعتباره حامي النظام الديمقراطي الاتحادي وراعي المال العام والمراقب لتطبيق المشروعية. ان وجود تمثيل حقيقي وعملي للهيئة الاجتماعية يساعد في القضاء على اهم آفتين تهددان كيان الدولة ووجودها الا وهما الارهاب والفساد، والجميع اليوم ملزم بالمحافظة على المرحلة الديمقراطية ومنجزاتها ونظامها المؤسسي للوصول الى دولة القانون والمؤسسات.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*