أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / الاخبار الثقافية / الحسين في استعادات شعراء عراقيين

الحسين في استعادات شعراء عراقيين

27130410461على الرغم من مرور أكثر من 1400 عاماً، غير أن الإمام الحسين (ع) ما زال الأكبر في ثورات التاريخ، فأغلب الثورات التي جاءت بعده؛ إن لم تكن جميعها، كانت تمثلاً لواقعة الطف، وكلمة (لا) التي غيَّرت من مجرى التاريخ والوقائع والرفض والوقوف بوجه الظلم، فضلاً عن التحولات التي طرأت على العالم بفعل تلك الثورة، وكيف جرَّت وراءها جيوشاً من الرافضين والذين كان جُلَّ همِّهم المطالبة بحقوقهم وحقوق شعوب مقهورة ومستضعفة في الأرض.

ربَّما لم تكن ثورة الطف محض ثورة فقط، بل كانت مفتتحاً للكتابات التي لم تتوقف حتى اليوم، منذ دعبل الخزاعي، مروراً بالعمري، ووصولاً للجواهري وحتى الشعراء الشباب اليوم. قصائد تتلى هنا وهناك، ودواوين تطبع في كل بقعة تؤمن بـ(لا) الإنسانية.

في استطلاعنا هذا نحاول أن نقف عند الشعر، وكيف تمثَّل الشعراء الثورة الحسينية وأعادوا إنتاجها في نصوصهم:

أنماط نصية

يقسم الشاعر شاكر الغزي النصوص الشعرية التي عالجت قضية الحسين (ع) إلى أربعة أنماط، الأول (صدى اللقلق)، وهي نصوص تمثّل انعكاسات لتراثيات شعرية وصدى لأصواتٍ رثت الحسين في عصور متفاوتة، وهي لا تقرأ الحسين وإنما شعراً قد لا يكون قرأ الحسين. و(الفجائعيّ)، النصوص هنا، تستثير العواطف وتغيّب الفكر، فهي أيضاً لا تقرأ الحسين. بل همُّها استجداء الدمع من الأجفان. و(الترميز المتشظّي)، أغلب شعراء العراق، والعرب، رمّزوا بالحسين كأيقونة تعبيرية متشظّيَة الدلالات، فمرة يتداخل مع المسيح كثيمةٍ للفداء، وأخرى يكون عراقيّاً لا ينفكّ عن أحزانه الأزلية، اختارته السماء لحمل أوزار الآخرين، وثالثة هو العراق، ملاذ أبنائه المتلهفين إلى الدفء والرَّواء مع إدراكهم أنَّهما مستلبان. وهذا الترميز أصغر من الحسين. وأخيراً (بانوراما إنسان)، تشتغل هذه النصوص على قيم الإنسانية الكبرى من خلال الحسين بتجليّاته الانفعالية والقَوليّة بل حتى السيميائية منها، تكتبه إنساناً حين يُحبّ، يبكي، يعطش، يقاتل، وتقتبسه مشروع ثورةٍ قيمتها الإنسان وثيمتها إصلاح شأنه.

ذاكرة جمعية

الشاعر رياض الغريب يرى أن قضية الحسين (ع) ارتبطت بالذاكرة الجمعية، وربما أصبحت جزءاً من النسق العام الشعبي، لهذا نجد أن الشعراء في العراق قد تفاعلوا معها رغم انتماءاتهم المذهبية والطائفية كون الحسين لم يكن في خروجه وقضيته طائفياً أو حتى مذهبياً، لتشكل قضيته في الوجدان والحس الجمعي.. إن القضية الحسينية وتمثلاتها وانعكاسها داخل الحس الشعبي وملامستها للجذر الذي خرج منه الفقراء والمعدون وأصحاب القضايا التي تتعلق بمصير الإنسان وموقفه من الحياة وما يتعلق بها من عذابات وأوجاع جعل الشعراء يتمثلون الحسين في قصائدهم أحياناً بالإشارة أو برمزية هذه الثورة أو بتضمين مقولات للإمام الحسين. هذه المقولات أصبحت جزءاً من نصوص كثيرة مثلما أصبحت كربلاء رمزاً داخل النصوص الشعرية. لهذا نجد أن أغلب الشعراء في العراق قد مروا على هذه القضية من خلال نصوصهم التي تقرأ في المناسبات وخاصة في المراثي الحسينية التي اقترب أغلبها من النص الشعبي لقدرة هذا النص على ملامسة الوجدان وتبيان تلك الثورة والمصاب أكثر.

مفارقة سوداء

يكتفي الدكتور علي مجيد البديري بالإشارة لما حققته بعضُ النصوص من فرادةٍ في التناول، والتوظيف الفني لمعطيات واقعة كربلاء، متجاوزاً الكم الهائل من النصوص التي توقفتْ عند حدود التسجيل وتعاملتْ مع الحدث وشخصية الحسين (ع) بسطحيةٍ بالغةٍ. مؤكداً أن هناك نصوصاً تأمّلَ كاتبوها واقعة كربلاء، وخرجوا بنتيجةٍ مؤلمةٍ كانت فيها الواقعةَ عبارة عن (مفارقة سوداء) تجسدتْ في أفعال الإنكار، والتكذيب، والقتل، والتمثيل بأجساد طاهرة هي امتدادٌ لشخص النبيِّ الهادي، الصادق صاحب السكينة.. الخ. فكتبوا نصوصاً قائمة على مفارقة متنامية تبدأ من الاستهلال لتصل إلى خاتمة مفتوحة، وقد سعت هذه النماذج إلى الإفادة مما تكتنزه الواقعة من حمولةٍ فنيةٍ (ممكنة) ودلالية في تجسيد رؤيةٍ ووعيٍ مُفارِقٍ للسائد، وفي تشخيص مفارقات الحياة التي نأتْ بمعطيات الواقعة عن أرضها عبر استدعاء الحدث القديم المنتهي زمنياً إلى ساحة العمل المعاصرة.

معانٍ غرائبية

ويرى الشاعر نوفل الحمداني أن الحسين ما يزال وعبر امتداد العصور شعلة توقظ في النفوس الرقيقة الأمل وتمنح الشعراء مفازات جديدة يسبرون أغوارها منتمين له وموقدين شموع العشق الذي ولد قبل استشهاد الحسين وأججته واقعة الطف بكل ما حملت من معان غرائبية أثرت وبشكل كبير في تاريخ الإنسانية.

ولعل الكثير يؤمن أن الشاعر مثل الشرارة الأولى لجميع أنواع التغيير والثورة على الواقع فهو السبّاق لإعادة تشكيل الكون وفق رؤيته الجمالية له ولأن الحسين حمل أهم مشاعل التغيير عبر عصور التاريخ الطويل ومنذ نشوء الإنسانية لذا فقد تاقت نفوس الشعراء للالتحاق بخط الإمام الحسين الرافض للجمود والانتكاس، لذا فقد استلهم الشعراء من الحسين القدرة على التغيير ولو بطريقتهم الخاصة.. فالبعض نذر قصائده وشعره للحسين وقضيته والبعض الآخر جعله رمزاً لما يؤمن به ويحاول تطبيقه في كل مساراته.

أما لدى الحمداني، فإن الحسين يمثّل العشق الإلهي، عشق المبادئ والقيم التي تأخذ بيد الإنسان نحو التكامل, الحسين يعني الحياة الجميلة التي كان يرغب بها لمن تبعه, حياة الكرامة التي تاق لها وتمناها.

ثورة إنسانية

الثـــورة الحسينيـــة ثـــــورة إنســـانية، تتجلى إنســـانيتهــا للجميع يوما بعد يوم منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا، حسب ما يشير الشاعر عصام كاظم جري. لذا نقرأ كثيراً لفلاسفة وكتًاب وعلماء مسلمين وغير مسلمين إشارات استحضروا فيها القيم والبعد الإنساني لواقعة الطف، هذه الإشارات لم تاتِ من فراغ أو مجاملة أو تأثيث لسطورهم أو نتاجهم الأدبي، لا أبداً، إنما جاءت عن وعي ودراية بإنسانية هذه الواقعة. ولا يختلف اثنان في توصيفات الحياة بــ(الإنسانية).

ويعتقد جرّي أننا نحتاج إلى قراءة واقعة الحسين بن علي قراءة واعية لنؤكد من خلالها ذئبية الإنسان ضد الإنسان ووحشية المرء أمام منافع دنيوية.

على الشعراء أن يبعثوا رسائل تؤكد فعل الأذلاء التابعين الخانعين للحاكم المستبد الظالم القاضي على القيم والدين والأخلاق. ثورة الطف هي ثورة القيم والأخلاق والدين، وهي واقعة وظفتها جميع الأنساق والأيقونات الثقافية. “كم نحن اليوم بحاجة إلى طف آخر للوقوف أمام أعتى سلطة فساد إداري ومالي وجغرافي”.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*