أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / الاخبار الثقافية / خلق توازن بين المعرفي والجمالي 2 – 2

خلق توازن بين المعرفي والجمالي 2 – 2

1805205307irq_1410514667هذه قراءة مشتركة لمشغل ميسان النقدي/ اتحاد ادباء وكتاب ميسان في مجموعة الشاعر محمد تركي النصار( مالا يحتمله النص) لمجموعة من نقاد، يلاحقون في مشغلهم الهادئ المشهد الابداعي العراقي. وستكون القراءة المقبلة للمشغل عن كتاب ( تجليات النص) للشاعر والناقد ماجد الحسن. في الجزء الأول استعرضنا رؤية كاتب السطور ومن ثم رؤية الناقد علي سعدون، وهنا أدناه تكملتها، تليها رؤية مختلفة للشاعر والناقد حسن الكعبي. وستكون القراءة المقبلة للمشغل عن كتاب ( تجليات النص) للشاعر والناقد ماجد الحسن

حالات معتمة

نصوص” ما لا يحتمله النص” احتفاء ضخم بإحالات معتمة وحزن قار..، إذ لا موقف من الحياة والتاريخ سوى دمعة تطيش هنا أو هناك، لا موقف إزاء الخراب سوى توصيف الخراب نفسه والوهم نفسه، يكتشفه النصار ويفكك أجزاءه بين مكانين( المنفى والسنين النثرية/ سنوات اوطاننا الكالحة) إذ يصل بدهشة كبيرة إلى أن غلافا قارا يغلف العالم كله، هناك وهنا، وميزة النصار في تدوينه هنا، إنه يسجل الكثير من المهمل والمفقود والغائب من الذاكرة، التقاطات دقيقة لمتغيرات عصفت بالحياة/ روحا وجسدا ومكانا..

مالا يحتمله النص عند النصّار كان مخيالا وفكرة تختص بكم هائل من الخراب والتحول، تضيق به المدونات ويتخلخل شكلها الاجناسي..، حتى يخيل إليك أحيانا أن ما تقرؤه لا علاقة له بقصيدة النثر، كما لا علاقة له بشكل كتابي محدد، انه خليط من الشعر وسواه..، كتابة لا تترك شيئا إلا وتستفيد منه، ولا تعبأ كثيرا بمحددات الشكل السائد في الكتابة، النصار يكتب مجموعته هذه بحرية مطلقة، يمكننا عدها أيضا قراءة في الحياة ” في وصف الحياة الجديدة” على وجه الدقة، بوجهها الكالح الأسود، وصفا يتفاعل مع الواقع بطريقة مدهشة، يقول ستيوارت هول، أحد رواد النقد الثقافي: “القيمة الحقيقية للفكر والمعرفة تتمثل في مقدار تفاعلها مع الواقع” ذلك الواقع الذي بقي (النصّار) يصفه بدقة متناهية من دون أن يجرأ على البوح..

ان كتابة من هذا النوع مجدية ومهمة وضرورية في مدونة الشعر العراقي، وهي تنويع نحتاجه فيما نرى ونرصد من انثيالات وتحولات هائلة..، بقي أن أنوه الى ان مجموعة النصار هذه، تعد خطوة متقدمة بعد مجموعتيه المعروفتين” تنافسني على الصحراء” و” السائر من الأيام” لما احتوته من نصوص تنشغل كثيرا بمضامين جديدة وغامضة، تستدعي الكثير من الفحص والمعاينة ولغة تأملية مغايرة لكثير مما أنتجه النصار في أوقات سابقة.

جدل النص والوجود

وقال الناقد حسن الكعبي: توجه عنونة مجموعة الشاعر (محمد تركي النصار) الموسومة (ما لا يحتمله النص) الوعي القرائي لمعاينتها في سياق جدلي بين النص ومحنة الوجود ومأزقيته, فالعنوان إحالي ينفتح على التراث الفلسفي الغربي والتراث الصوفي الشرقي, الأول في توجهات فوكو الفلسفية في كتابه ( الكلمات والأشياء) في إطار مقولته الشهيرة( ما نراه لا يقيم داخل أقوالنا) التي تختزل الرؤية الجدلية بين النص والوجود وتمثيلاته الواقعية, والثاني في المقولة الصوفية الشهيرة ( إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) التي تؤكد أن الإدراك الحقيقي للمحتوى المعرفي لايمكن أن تغلق دوائره منظومة الكلام فالمعرفة والإدراك للمحنة الأنطولوجية التي تحتويها المعرفة تمتلك طابع الفيض الذي لا تستطيع احتواءه أوعية الكلام بوصفها أنظمة ابتكارية وخوادم تابعة لتقريب المعرفة وليس لاحتوائها.

ان الهم الوجودي ومقصدياته في الاشارة الى عبثية محاولات الكلام في احتوائه للاشياء يتشكل بقصدية واضحة في نصوص الشاعر في سياق التناصات مع مقولات تمثل الاتجاه الوجودي, لكنها تناصات من نوع اشتقاقي بمعنى أن الشاعر يسعى لأن يشكل خصوصيته الرؤيوية للوجود عبر مقولات إحالية (كما أشرنا الى ذلك في التمهيد) تمثل هذا الاتجاه الانطولوجي في سياق اشارات الشاعر الدالة على هذا المنحى:

( وقبور/ مجهولة الهوية/ تحاول ايواءها

كلماتي) من نص (ولم يتبق لدي سوى عمى جمالها).

لكن هل تستطيع كلمات الشاعر احتواء هذه الاشياء؟ ان الشاعر يؤكد انها لن تقيم داخل اقواله:

( ان الكلمات/عقاب لازم/لورطة هذه اليد/ المكفنة بالبياض) من (نص عقاب). فاللغة والكلمات تنتهي الى البياض او ذلك الحيز من الفراغ لانها شهوة يقول الشاعر:

( كانت اللغة شهوة/حارقة/ترمينا قبل السابعة صباحا/على اطراف الانهار/اقصد في الفراغ) من نص (بعد فوات الأوان).

يؤكد الشاعر هذا المنحى الجدلي بين النص والاشياء في اشارته:

( ان كلماتي/مجرد صراخ توابيت عاطلة) من نص (تعارض) / وفي هذا السياق/ المنحى تمتد الاحالات في بقية نصوص المجموعة الى عبثية الكلمات وعدم احتماليتها للاشياء, كما يستثمر الشاعر تقنيات البياض والتنقيط لتأكيد ستراتيجيته في بناء النصوص التي تعمل على ابراز رؤيته الجدلية.

ترتقي المدلولات النصية الى العنونة لترتبط معها في وحدة عضوية تعمل على تخليق وثيقة شعرية تستثمر مأزق الوجود العراقي ومأساويته التاريخية القارة، التي لم تستطع الكلمات احتمال منتجاتها العابثة، وبذلك ينجح الشاعر في تخليق خطاطة شعرية تشتغل على المحنة الوجودية بخصوصية لم تغرق نفسها بتفاصيل الإحالات الى مقولات ورموز هذا الاتجاه، لتأكيد هذا المنحى الفلسفي العميق, ربما ان الابتعاد عن هذه الاغراقات الاحالية، كما اسهم في انتاج رؤى ومنظورات خاصة للشاعر، فانه أسهم ايضا في خلق توازن واضح بين المعرفي والجمالي في نصوص مجموعة “ما لا يحتمله النص”.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*