أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / واقعية الدولة واغتراب السلطات

واقعية الدولة واغتراب السلطات

images (41)بقلم: علي حسن الفواز
امام مجموعة كبيرة من التحديات لا يمكن الحديث خارج سياق الواقعية، فهناك ضرورة ان تكون هذه الواقعية سلوكا وخطابا وأفقا سياسيا في التعاطي مع مشكلات الدولة والسلطة، ومع تحديات الارهاب والعنف وهشاشة العلاقات والحوارات ما بين الفرقاء السياسيين، ارى ان هناك ضرورة بأن تقترن هذه الواقعية بوجود الارادة، وليس باتجاه تسطيح النظر الى وقائع باتت مهددة للوجود وللعملية السياسية برمتها.
اليوم نتحدث عن مشكلة الدولة، وكيف ان على الجميع ان يمارس دوره في بناء دولة جامعة، لكن لم يفكر احد في النظر الى المجتمع الذي تهدده عوامل الفرقة والتطرف والكراهية والتكفير، اذ بات المجتمع اليوم يعيش ازمات صعود الافكار المغالية، والضاغطة على انماط التعايش المشترك، وقبول الآخر، وازاء هذه المشكلة المعقدة لا مناص من الحديث عن ضرورات وجود المجتمع السياسي، كمقدمة لوجود الاجتماع المجتمعي، لان ما نعيشه من صراعات ومن ازمات وضعت الفاعل السياسي في سياق من يؤثر على تشكيل الرأي العام، وعلى طبائع تشكيل المجتمع وعلى صورته، لذلك يجب ان نصطنع فضاءات آمنة يمكن ان تخفف من غلواء التطرف، وتتيح المجال لتصريف المواقف واقامة حوار عقلاني وجدي ومكشوف للتعرّف ولوضع الاشياء في اطار المشاركة الفاعلة والحقيقية.. فضلا عن اتاحة المجال لقوى التنوير والعقلانية لان تمارس دورها دونما حساسية في ترسيم حدود المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وتوصيف الدولة الضامنة، والدولة القابلة للجميع، الدولة المؤسسة والحامية، والتي تستند الى المعايير الدولية والاتفاقيات الدولية، والتي يسند وجودها المجتمع الدولي.

الدولة والمجتمع السياسي
في الادبيات السياسية ثمة من يقول ان صناعة المجتمع السياسي ترتبط بوجود الدولة، لان هذه الدولة ستكون هي القوة الصيانية التي تحمي هذا المجتمع، اذ تتجلى العلائق بين الدولة والمجتمع من خلال شيوع قيم المواطنة بوصفها قوة اجتماعية، وكذلك القيم الحقوقية بوصفها قوة كافلة للمعيشة والحماية والمساواة والامان والحريات العامة والخاصة.. لكن السؤال يكمن في الكيفيات التي تضمن وجود هذه الدولة الجامعة الحاضنة للفعاليات السياسية والثقافية والاقتصادية، والتي تشرعن هويتها وقوتها بعيدا عن التاريخ الاستبدادي للدولة القديمة، الدولة الشمولية التي سحقت قيم المجتمع والجماعات والفرد، واخضعت قيم الحريات والحقوق الى محددات
احتكرت الثروة والقوة والعنف، وبالتالي فانها اخضعت الجميع لسلطتها، ومن هنا نجد ان الاتفاق على شكل الدولة هو الجانب الاكثر فعالية في تطهير العقل السياسي العراقي من فوبيا الدولة، ومنع تكرار عودة القوى العنفية التي تسعى دائما الى فرض نفسها ولغتها وخطابها على الآخرين.
ان اعادة فحص ظاهرة الدولة في ضوء معطيات التحول الكبير الذي حدث في العراق، تعني اساسا البحث عن الآليات التي تسهم في تشكيل السياقات التنظيمية والحقوقية التي تتفاعل فيها المكونات الاثنية والطائفية بما فيها الجماعات السياسية التي كانت وحتى فترة قريبة تشكل التهديد الاكبر للدولة الديمقراطية، لان مرجعيات هذه الجماعات ستكون محكومة بسياق وجود الدولة، وبعيدا عن التاريخ العصابي لنزعاتها الانقلابية العسكرية والايديولوجيات والعصابيات الطائفية والقومية.
النظر الى الدولة هو الفيصل في التعاطي مع ظاهرة الدولة اجتماعيا وسياسيا، وفاعلية المجتمع في اسناد الدولة هي الاساس في تعزيز هوية الدولة، وفي حمايتها للمجتمع ذاته، لان تشوه الدولة يعني تشوه المجتمع، واضطراب البنيات المجتمعية تعني ايضا اضطراب العمل في مؤسسة الدولة، وهذا التلازم يعني الكثير، ويعني ضرورة التوافر على الاسس الكفيلة بدعم فعاليات الدولة عبر دعم فعاليات سلطاتها الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) والعمل على تكامل ادوار هذه السلطات، اذ لا نجاح للدولة خارج دعم السلطات، ولا نجاح لفعاليات السلطات دون الايمان بضرورة الدولة الحامية للمجتمع وحتى للجماعات المتعددة.

الدولة وتشوهات السلطة
ان تشوه دور سلطة بعينها داخل اطار الدولة يعني تعويق عمل سلطة اخرى، وتلكؤ عمل سلطة اخرى يعني تلكؤ عمل السلطات الاخرى وربما يعدّ خرقا لآليات التكامل في عمل الدولة، وهو ما يحدث الآن للاسف في الكثير من فعاليات هذه السلطات ولاسباب في اغلبها ذات طابع انتخابي، او لحسابات ومصالح حزبية ضيقة، فإقرار الكثير من القوانين في مجلس النواب معطّل عن التنفيذ، والشروع بمناقشة خطط معينة او عمل هذه الجهة او تلك خاصة في مجال الخدمات العامة يعاني هو الآخر من معوقات او خلل بسبب ضعف الاداء البرلماني، او التعمد من عدم اكتمال نصابه القانوني لاقرار هذا القانون او ذلك المشروع.. وكذلك الارتباك الواضح في عمل السلطة القضائية وخاصة في تأخير معالجة العديد من الملفات والاحكام في الملف الامني، يربك هو الآخر عمل السلطة التنفيذية، ويعوق بعض سياساتها، ويزيد من اعبائها، خاصة الارباك في التوصيف الامني الجنائي والارهاب، وذلك وسط مطالبات كثيرة بالاعلان عن العفو العام الذي يعني بالاساس ارباكا تنظيميا وقضائيا لاحكام السلطة القضائية.
الدولة المؤسسة هي الضحية الكبرى لتشوه السلطات، وان ارباك عمل الدولة في المجال التوصيفي والاجرائي يسهم الى حد كبير في صناعة القوى المشوهة التي تمارس اليوم وظائف رعبها الضاغط على المجتمع السياسي والمجتمع المدني.هذا الفهم للاسف لا يزال ينظر الى الدولة بوصفها قوة للجماعات وليس قوة للمجتمع، وان مايسود الآن هو صورة الدولة القديمة، الدولة التاريخية، الدولة العصابية، وطبعا هذا الامر يجعلها الاكثر معاناة في مواجهة التصدعات الكبرى التي تواجهها السلطات في تعاطيها مع الملفات الامنية والسياسية والخدماتية، حيث يكون المجتمع والمواطن المتضررين من هذه المعوقات، لان المواطن والمجتمع لايعرفان طريقا قانونيا لحمايتهما سوى مؤسسات الحكومة، فضلا عن ان الاعلام لا يجد امامه سوى هذه المؤسسات لتحميلها المسؤوليات الكاملة عن بطء تنفيذ المشاريع الوطنية وعدم اقرار القوانين التي تنشّط العملية السياسية وبناء الدولة الديمقراطية.
ومن هنا نجد ان صناعة الدولة تواجه تعقيداتها الخطيرة من خلال تعقيد عمل السلطة التنفيذية، وتعويق برامجها، فضلا عن تعمد البعض في ايجاد حلقات ضغط لتعويم العمل المؤسسي للسلطة، وتحميل السلطة التنفيذية مسؤولية المواجهة لوحدها ازاء هذه المعوقات، لانها ستكون الجهة التي تختصر مشروع الدولة جميعها كما هو راسخ في العقل السياسي، رغم ان التقاطع في شرعنة الصلاحيات الدستورية يؤدي الى ارتباك عمل هذه
السلطة، فضلا عن السلطات الاخرى على مستوى ارباك تنفيذ برنامجها الوطني، وعلى مستوى ضعف تكامل عملها، وفي ايجادها الاطر القانونية السياقية والاجرائية التي تحسّن صورة الدولة كمنظومة اجتماعية وسياسية. وهذا ما يدعونا للعمل بجد على ضرورة اعادة انتاج مفهوم الدولة من خلال تحسين اداء السلطات مثلما يحدث في الدول المتحضرة، حيث الدولة هي الكيان المؤسسي النافذ والعميق الاثر، من خلال تنظيم آليات العمل وتحميل المسؤولية لكل من يعوّق عمل الدولة ويعطل ارادتها عن طريق تعطيل عمل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وعلى وفق شواهد وقرائن.
ان تأصيل مفهوم الدولة هو الاتجاه الاكثر حيوية في حماية المشروع الوطني، وفي الوقوف ازاء عوامل التهديد والخطر التي تواجهها، مثلما هو الاتجاه الاكثر اطمئنانا في تعزيز قوة الشروع نحو المستقبل،اذ لا مستقبل للمشروع الوطني العراقي من دون وجود الدولة القوية العادلة التي تؤمن بالتعدد والتنوع، وان مشروعها السياسي هو رهاننا القادم للبناء الوطني. اذ ان وجود هذه الدولة، المحصنة بقوة دستورها، وقوة مجتمعها السياسي والمدني، وعمق بنيتها الحقوقية، سيكون هو الارض الصلبة التي تمهد لشرعنة التحولات التاريخية، وبناء الاسس العملياتية للتحضر، ولبناء القوة التنموية والاقتصادية والثقافية التي تقود الى الحداثة، والتي تملك المؤهلات الحضارية لحماية مواطنيها من الكوارث والاضرار
والمكاره السياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية والصحية، وسيرورة هذه الدولة ستكون في الاتجاه الآخر هي الشرط التاريخي لحماية العملية السياسية الديمقراطية، ولمواجهة اخطار العودة الى الماضي، ولقطع الطريق على الارهابيين واصحاب الاجندات السود الذين ينتمون الى مرحلة ما قبل الدولة.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*