أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / {حديثة} العراقية.. أم المآثر

{حديثة} العراقية.. أم المآثر

images (40)بقلم: حبيب محمد هادي الصدر*
“حديثة” تلك المدينة العراقية الوادعة المستوطنة في غرب (القلب) والمتكئة على كتفي (الفرات) الذي أسال لها ما في زلاله من حب طازج وخير طافح فدأبت (نواعيرها) الشهيرة على تدويره صباحا ومساءً لتبعث الخصب في عروق أرض أهليها الطيبين الباذلين.
حاراتها وحقولها المكتظة بالوداد والنماء لم تبخل يوما على أبناء عراقها بسلتها الزراعية الوفيرة بل أتحفتهم ــ على تعاقب الأزمان ــ برجالاتها الأفذاذ وعطائها الوطني الثر.
ومن نعم الله عليها أن خصَّها بسد مائي عملاق ومحطة كهرومائية ما أضفى عليها أهمية ستراتيجية وأكسبها بمسطحها المائي الفسيح سحرا أخّاذاً لا يدانيه سحر، فراحت تهب حسنها وضياءها للأقربين والأبعدين دونما منّة.
قدر “حديثة” أن تبتلى كباقي مدن “الأنبار” العزيزة بتكالب المغول الجدد وخوارج العصر ممن تسللوا من خارج الحدود.. من كهوف الضلالة ودياجير الجهالة كي يفرضوا شرعتهم الهمجية ومخططهم الظلامي على عشائرها الكريمة ويفرضوا قسرا واقعهم المتخلف الذي لم يألفه ناموس “حديثة” المحمدي القويم ولا انتماؤها العربي الأصيل كما لن تستمرئه نفوس أبنائها الأبية ولا أخلاقهم الفاضلة أو عاداتهم الدارجة. وحقيقة الأمر أن هؤلاء الأوغاد قد طمعوا بمزايا هذه المدينة وفرادتها الجغرافية والاقتصادية ظنا منهم أن أهلها ستنطلي عليهم خدعة شعاراتهم الإسلامية الجوفاء وأوهام خلافتهم المزعومة معتقدين أنهم سيفتحون لشراذمهم قلوبهم قبل بوابات مدينتهم وسيسلمون هؤلاء الأوباش مقاليد أمورهم، فهال على هذه العصابات المتوحشة والمتعطشة إلى التقتيل والتدمير والتسليب ما لمسته من أمر هذه المدينة الباسلة. 
نعم .. لقد تفاجأ الأشرار بنسيج اجتماعي متماسك صنعته دهور من وشائج وصلات درج عليها أصاغر المدينة عن أكابرها، وأبصروا مثلا وسجايا تأتلق في الضمائر وتمشي على أقدام عزومة واثقة، وخبروا فروسية وحميّة من نمط فريد لم تُدْنِ للبغاة رقاباً وما أدارت للهيجا ظهوراً ولا طأطأت لغير خالقها جباه، واكتشفوا بعد ذلك كله عقولا نيرة حكيمة تمرست بتمييز الخبيث من الطيب والصدوق من الكذوب والعادل من الغشوم.
فجمع شذّاذ الآفاق لهذه المدينة العصية كل ما بحوزتهم من عدة الفتك وعديد الغدر وطفقوا يغيرون عليها الغارة تلو الأخرى وعلى نحو شبه يومي ومن محاور عدة فطورا يهاجمونها من جهة “بروانة” وطورا من جهة “الحقلانية”. وفي كل مرة يصطدم حظ الأفاكين العاثر بجدار فولاذي هو عبارة عن تراصف صدور أهاليها الصناديد المحشوة بالإيمان والمروءة والإرادة والحماس من أهلنا (الجغايفة) و(البو نمر) مع أبطال قواتنا المسلحة كتفا بكتف من كل رجل آثر آخرته على دنياه واسترخص الغالي والنفيس للذب عن الحياض والذود عن العرض، ونصرة الله كانت لهم نعم النصير.
فإذا بهجمات البرابرة رغم ضرواتها تتحطم على صخرة صمود هذه المدينة الأنبارية ضائعة مخفقة وتكبد الإرهابيون من جرائها أفدح الخسائر وتجرعوا على أيدي كماتها علقم الهزيمة وتلقنوا أبلغ الدروس في الفداء والتضحية والصمود.
أبطال “حديثة” و”البو فهد” و”البو ريشة” و”البو هايس” وآخرون في قواطع العمليات الأنبارية المختلفة وهم يسطرون يوميا ملاحمهم ضد تكفيريي هذا الزمان أعطوا لعشائرنا الأنبارية في كل مدن هذه المحافظة نموذجا للتصدي والمطاولة والثبات، ما مهد الأجواء واستنهض الهمم لقيام انتفاضة عشائرية عارمة بوجه الدواعش حيث انضمت عشائر “اللهيب والحلابسة والجميلات والبو خليفة” وغيرها إلى ركب المقاومين فيما ألقت فصائل مسلحة أسلحتها وانخرطت في الصف الوطني فشهدت المحافظة تراجعات لافتة للأنشطة الإرهابية بعد أن أيقن الجميع المرامي الخبيثة لهذه العصابات الإجرامية ومن يقف خلفها وما أحدثته في مدن العراق من تفجير لقبور الأنبياء ومقامات الأولياء وتطهير عرقي وديني للأقليات وسبي للنساء واستباحة للأعراض والممتلكات وانتهاك للحريات والمقدرات، حيث انكفأت ــ بحمد الله ــ في أغلب جبهات المواجهة سواء في “الأنبار” أو “ديالى” و “صلاح الدين” و “شمال بابل” وحتى في “نينوى”. وشهدنا عودة الحياة الطبيعية إلى “الرمادي” من خلال حركة أسواقها واستئناف دوائر الدولة لأعمالها.
وكما قارع “الجغايفة” في “حديثة” كان اندفاع “الجبور والعبيد” وتفانيهم ومجالدتهم في مناطق “العلم” و “الضلوعية” و “الزوية” و “الحويجة”. وإني على يقين بأن الفترة المقبلة ستشهد ــ بإذن الله ــ التحاق من تخلف من عشائرنا الغربية الغيورة بركب الوثبة الجهادية الراهنة.
كل هذه المعطيات الميدانية الإيجابية والحراكات العشائرية المظفرة، فضلا عن التعاون والتنسيق عالي المستوى مع الأبطال في قوات “البيشمركَه” قد قلبت موازين القوى وأفرزت نجاحات أمنية ملحوظة ومضطردة وواعدة ما أثمر عن تحرير سدّي “الموصل” و “العظيم”، وهزيمة “داعش” في عدد من مدن “سهل نينوى” و “مخمور” و “الكوير” وتطويق “جلولاء” كما بات من المؤكد انتزاع ما تبقى من أحياء “تكريت” من قبضة الإرهاب. فيما يجرى حاليا وعلى قدم وساق رسم الخطط العسكرية وإعداد قطعات النخبة وتدريبها وتسليحها لتأخذ على عاتقها في الفترة المقبلة التقدم لتحرير “أم الربيعين” من دنس الإرهابيين الذين عاثوا فيها فسادا وتخريبا.
فسلام عليك يا “حديثة ” العراق وتحية إكبار واعتزاز لصمودك الأسطوري من كل مدن العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. وسيكتب التاريخ بمداد من نور أن أهليك الغيارى قدّموا في هذه المنازلة الشريفة وفي هذا المقطع الزمني الدقيق أروع الأمثلة في المرابطة والاستنفار والثبات بما يذكرنا بالسيرة الجهادية الوضاءة لأجدادنا الميامين من أبناء ثورة العشرين الخالدة.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*