أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / ثورة العشرين.. ذاكرة الثورة وأسئلة الحاضر

ثورة العشرين.. ذاكرة الثورة وأسئلة الحاضر

بقلم: علي حسن الفواز
استعادة ذكرى ثورة العشرين، تعني استعادة تاريخ عميق الاثر في الذاكرة العراقية، واستعادة مجموعة من الصور التي اكتسبت رمزية القوة، وسيمياء الرفض لمهيمنات الاحتلال، والخضوع والمحو. واليوم اذ نجد في هذه الذكرى دلالة اكثر اتساعا، ومعاني اكثر تعبيرا عن الروح العراقية وهي تستعيد خطوب مواجهاتها ازاء احتلالات اكثر رعبا، احتلالات اكثر تغريبا لعصابات “داعش” الظلامية، اذ هي تزاوج في افكارها مابين رعب التاريخ، ووحشية الخطاب والايديولوجيا، وبين رهاب المهيمن القائم على تغذية فكرة المحو والاقصاء والتغييب العقائدي، والذي لاتنفع ازاءه شرعنة التقية، او التقنع بنأي النفس، لانها ترتبط باجندات ومصالح دولية واقليمية طائفية ومخابراتية.
احداث شهر حزيران الجاري فجرت مكنون التاريخ، فمثلما قام الانكليز باحتلال العراق، ومحاولة اخضاعه لحكم التاج البريطاني، وربطه بالمستعمرات الهندية، والتي دعت المرجع الميرزا الشيرازي بإعلان فتوى الجهاد الدفاعي لدفع الضرر عن مصالح الامة ومصالحها وقيمها، فان ماحدث في العاشر من حزيران سنة 2014 هو أمر مشابه حيث قامت العصابات الوهابية الداعشية بغزو مناطق واسعة من العراق، لاحتلاله ولاخضاعه لحكم (الايديولوجيا) التي تتجوهر على محو العقيدة والمقدس والخطاب، وهو ما اقترن ايضا بفتوى الجهاد الكفائي للعراقيين التي اعلنها السيد علي السيستاني والتي تقضي بوجود الكفاية في دفع الضرر ازاء العدو الذي اراد ايقاع الاذى والقتل بالعراقيين جميعا.مابين الحدثين والفتوتين تتبدى الكثير من المعطيات التي تضع التاريخ امام سلسلة من المراجعات حول الاسباب، وحول القرائن، وحول الوجوب والجواز في اطلاق الفتوى بوصفها حكما لتفادي الضرر الذي يعرض المصالح والحيوات للقهر الشديد.كل هذا يدفع اليوم الى جعل رمزية ثورة العشرين تحمل اكثر من معنى واكثر من دلالة، لانها ستكون حافزا للايقاظ، ودعوة لربط التاريخ بالحاضر، مثلما ستكون دعوة لمراجعة اكثر نقدية واكثر مسؤولية لتجاوز ما حدث، ولاعطاء فعل المواجهة بعدا يعبّر عن ارتباط فشل ثورة العشرين بغياب المؤسسات والتمكين، وهو ما ادى الى الهزيمة، وعن ارتباط احداث الموصل بغياب التدبّر والمواجهة، وهو ما ادى الى حدوث النكسة، والتي كادت ان تطيح بالبنية السياسية والمجتمعية لولا فتوى المرجعية الدينية في النجف الاشرف، والتي حفزّت الوجدان بوجوب المواجهة، والجهاد لمنع العدو من استمكان الارض والناس والمقدسات والاعراض.

ثورة العشرين .. الذكرى والاحتفاء

كل الشعوب تحتفي برموزها وابطالها الشعبيين والصور الزاهية لثوراتها السياسية والاجتماعية، اذ تضع لهذا الاحتفال طقوسا وبرامج تجعل منه اشبه باستعادة الروح الحية التي تتجلى في شواهد الزمن والمكان، وهي لاتتمثل الماضي فقط، بقدر ما تستشرف الحاضر بكل معطياته وتشكلاته والمستقبل بكل حدوسه..ولعل ثورة العشرين الشعبية التي انطلقت في 30 حزيران سنة 1920 واحدة من تلك الدروس التي تحتاج الى فاعلية الاحتفال والاحتفاء بها، ليس لانها تعبير عن رفض وطني وشعبي لاي شكل من اشكال الهيمنة والاحتلال بقدر ما كانت تعبيرا عن وعي عال ومسؤولية اخلاقية وشرعية لدور المرجعية الدينية في النجف الاشرف وجهدها الحقيقي والفاعل في تنمية المسؤولية الوطنية والاخلاقية ضمن سياق تاريخي معين يستلزم هذا الدور كواجب شرعي واخلاقي، مثلما هي تعبيرعن حيوية الدور العميق الذي نهضت به القوى العشائرية والقومية والدينية مع العديد من الفاعليات الديمقراطية في تشكيل فضاءات وطنية تعبّر عن قوة وتماسك الجمع الوطني بمواجهة اخطار سياسية وعسكرية هي نتاج لتداعيات الحرب العالمية الثانية وصراع القوى الكبرى ومصالحها.واليوم تتزامن الذكرى مع ثلاثين من حزيران آخر، حيث تباشر القوات الامنية بالتعاون مع العشائر لاستعادة الارض التي احتلها الداعشيون الذين فرضوا عليها حكم جائرا، وقهرا اجتماعيا وثقافيا، الامر الذي سيكون شكلا آخر لتكريس استقلال العراق وهيبته، وقطعا لدابر الارهاب والتكفير، وتأكيدا على انه سيكون البداية الحقيقية لبناء عراق قوي، بقوى جديدة، وبخبرات جديدة، وبمسؤوليات تتعاطى مع مفاهيم السيادة والدولة والبناء والديمقراطية والحرية والتعايش والهوية بوعي اكثر تحفزا، واكثر استقراء لمفاهيم الحكم والحرية والسلطة.هذا الاحتفاء ينبغي ان تدرك القوى الوطنية الحية اهميته كدروس وعبر لمواجهة تحديات المستقبل، ومواجهة أي خلل آخر قد يسهم في صناعة مقدمات واسباب تسهم في ايجاد اشكال بشعة من الاحتلالات، منها ما يتعلق بالتكفير والقوى الظلامية، ومنها مايتعلق بالقمع والحروب العبثية التي حولت العراق خلال عقود الى سوح للتصادم وتصفية الحسابات بين الآخرين.
ان الاحتفاء بتواريخ (الحزيرانات) يمنحنا اليوم الحق في ان ندرك ضرورة توظيف تحققات هذه المواجهة في سياق اكثر فعالية، واكثر شرعنة للبدء بالرهان على القوى الوطنية والشعبية والغيارى من ابناء شعبنا وعلى قواتنا المسلحة في تسلم الملف الامني وفي انضاج آليات الحوار الوطني مقابل التصدي الكامل وبحزم للارهاب، ولكل القوى الساندة والداعمة والمحرضة له، واسقاط حجج الارهابيين الذي وجدوا في (يافطة)الاحتلال ذريعة للايغال في جرائهم، ووجدوا في ضعف الدولة وهشاشة تسليحها مجالا لممارسة اعمالهم الاجرامية.اهمية هذا الاحتفاء المشترك تضعنا الآن امام مسؤوليات جسام، مسؤوليات تنطلق من وعي التاريخ كضرورة، واهمية صناعة المواقف وشروطها وسياقات عملها دون افراط اوتفريط كما تقول القاعدة الفقهية، وبالشكل الذي يخدم الناس ويحميهم، ويسهم في ايجاد الظروف المناسبة والواقعية لكي يحظى الجميع بحقوقهم وحرياتهم في المعيش والرفاه والوجود والعقائد والامتيازات، لان الاوطان لاتبنيها الحماقات، مثلما لاتبنيها عقيدة واحدة او حزب واحد او طائفة واحدة كما قال الاستاذ نوري المالكي رئيس الوزراء.
لقد كانت ثورة العشرين ثورة شعبية استقطبت الجميع وجعلتهم امام خيارات مشتركة، وهذا ماانعكس فيما بعد على صناعة الكثير من ملامح المشهد السياسي والوطني في دولة العراق الاولى سنة 1921. وهو ما يمكن ان نثبته الآن مع تشكيل ملامح الدولة العراقية الجديدة، الدولة التي تقف اليوم على اساس من الثقة الذي يضعها امام تحديات المرحلة واستحقاقاتها، مثلما يكرس توجهاتها نحو الايمان بخيارات النظام الديمقراطي التعددي القائم على اسس المواطنة والشراكة وبناء القواعد المدنية المتينة للمستقبل. لكن ثمة امورا كثيرة ينبغي مراجعتها لكي نضع هذه الذاكرة والحاضر ضمن سياقهما الصحيح والواضح، لاسيما بعد ان انجلت الغبرة وبانت معادن الناس، وان لانغيّب بعض احداثها تحت ايهامات واجندات قاصرة مثلما فعل النظام الدكتاتوري السابق حينما عمد الى تشويه الكثير من وقائع واحداث هذه الثورة، اذ تمت صياغة سيناريو سينمائي لوقائعها، افتقد الى الكثير من الشروط الموضوعية والتوثيقية والاخلاقية في التعاطي مع حقائق وطبيعة القوى الفاعلة فيها، فقد غيبّت في هذا الفيلم ادوار مهمة وحاضرة في الذاكرة والواقع ومنها الدور الثقافي لشاعر الثورة(محمد مهدي البصير) فضلا عن تهميش الحضور الاعلامي والثقافي الضاج في مدن الجنوب والوسط وخاصة مدينة النجف الزاخرة بالحراك الثقافي والسياسي والعلمي.اجد ان من المناسب الدعوة الى المعنيينن في المؤسسات الفنية لانتاج فيلم سينمائي جديد يعطي لهذه الثورة الشعبية حقها، ولرموزها حقوقهم الاخلاقية، وللاحداث واقعيتها وموضوعيتها دونما تهميش واقصاء لاحد في كل عراقنا الذي تضافرت جهوده في الغرب والشرق والجنوب والشمال من اجل صناعة صورة وطنية نفتخر بها جميعا.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*