أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المنوعــــــــــــــــات / الكدمة الدماغية.. أوّل سبب للوفيات قبل الـ45

الكدمة الدماغية.. أوّل سبب للوفيات قبل الـ45

“الكدمة الدماغية” أو “الإصابة الدماغية الرضحية” (Traumatic Brain Injury) أو (Intracranial Injury) تعني أي صدمة يتلقاها أعلى الجمجمة وتؤثِّر في الدماغ ووظائفه الحيوية...

    وهي حالة ليست في الندرة التي نتصوّرها، بما أنّها تُشكِّل، بحسب الإحصاءات، أوّل مسبِّبات الوفيات قبل سن الـ45. فأسبابها متعددة، أغلبها (ميكانيكية). ونجد في مقدّمتها حوادث الطرقات والسير، التي تُشكِّل 50 في المئة من مجموع الإصابات. تأتي بعدها حوادث العمل، ثمّ الحوادث المنزلية، ثمّ التعرُّض لإعتداءات. وتدخل في ذلك التصنيف حوادث التدريب العسكري والعمليات العسكرية كـ(حوادث عمل). فمثلاً، بين عامي 2001 و2009، تمّ تسجيل نحو 320 ألف “إصابة دماغية رضحية” في صفوف الجيش الأميركي، لاسيما بين مَنْ أدّوا “خدمتهم” في أفغانستان والعراق.

    وهناك أيضاً سبب “كيميائي” غير مباشر للإصابة الدماغية الرضحية، إنّما نادر، يتمثّل في إرتفاع نسبة الأنسولين إرتفاعاً خطيراً، ما قد يحصل عرضاً لدى المصابين بالسكري في حال رفع جرعة الأنسولين بشكل مفرط. فذلك يؤدِّي إلى إنخفاض مباغت وخطير في نسبة السكر في الدم، يفضي بدوره إلى “رجة دماغية”، أو “إصابة دماغية رضحية”.

    كما يشير الباحثون إلى إحتمال حصول إصابة دماغية رضحية في حال هبوط نسبة الأوكسجين الثنائي في الدم، وأيضاً في حال حصول ما يُدعى “المرور الغذائي الخاطئ”، بمعنى مرور سوائل أو أغذية في الممرات التنفسية بدلاً من المريء. لكنها، عموماً، حالات نادرة.

    وتظل أسباب الكدمة الدماغية “ميكانيكية” بنسبة 99 في المئة، وربّما أكثر، متمثلة في الحالات المشار إليها (الحوادث بأنواعها).

    – درجات الخطورة

    ويُعد تباين حجمي حدقيتين العين أحد أهم الأعراض الظاهرة، إثر التعرُّض لإصابة دماغية رضحية، بمعنى أن تكون إحدى الحدقيتين أكبر من الأخرى بشكل ملحوظ، أيّاً كانت درجة خطورة الإصابة. فطبّياً، ثمة 3 درجات خطورة للإصابة الدماغية الرضحية، مصنفة وفق معايير دقيقة، على النحو الآتي:

    1- خطورة متدنية: تشمل أي إصابة من دون فقدان وعي ومن دون فسخ في الجمجمة.

    2- خطورة متوسطة: تشير إلى أي إصابة مصحوبة بفقدان وعي يدوم بضع دقائق، أو يترتب عنها فسخ في الجمجمة.

    3- خطورة عالية: المقصود أي إصابة تفضي إلى الدخول في غيبوبة، سواء أكانت مصحوبة بفسخ في الجمجمة أم لا.

    ومع الحالات الخطيرة تلك، وُجد أنّها ذات نتائج كارثية مع 50 في المئة من المصابين. فهي تؤدِّي إمّا إلى الوفاة، أو إلى إعاقة جسدية خطيرة دائمة، كالشلل أو الشلل النصفي، وغيرهما. وذلك على الرغم من التطوّر الكبير الذي شهدته، في العقود الأخيرة، تقنيات متابعة المصابين، ونقلهم السريع إلى الطوارئ، وتشخيص إصاباتهم تشخيصاً دقيقاً بواسطة وسائل الكشف التصويري العديدة، وتقديم العلاج المناسب لكل حالة. فالمضاعفات اللاحقة، في الأحوال كلّها، تتناسب طردياً مع شدّة الإصابة الأولى، وقت الحادث، وعمقها، ومكان الضربة، وحجم ما تعرّض من الدماغ للرجة، وعدد الخلايا العصبية التالفة جراء الصدمة، وما إلى ذلك من عوامل.

    – إصابة النخاع الشوكي

    كما ينبغي تحديد مدى تأثير الكدمة في النخاع الشوكي في مستوى الرقبة. فصحيح أنّ التأثير سلباً في الدماغ، والخلايا العصبية، يُعدّ أهم تداعيات الإصابة الدماغية الرضحية. لكن تأثير هذه الأخيرة في النخاع الشوكي الرقبي يُشكِّل أيضاً أحد المعايير المهمّة، عند تقييم شدّة أي إصابة.

    إلى ذلك، تتباين التداعيات من شخص إلى آخر، بحسب سوابقه الطبية، وصحّته العامّة، وصلادة جمجمته، وبنيته العظمية عموماً، وطبعاً سنّه، التي تلعب دوراً كبيراً. فمع التقدُّم في السن، تصبح أي إصابة، حتى إن كانت طفيفة في حد ذاتها، مدعاة قلق أكبر من إصابة مماثلة عند شخص شاب.

 

    – التداعيات

    من أهم تداعيات الإصابة الدماغية الرضحية، يشار بشكل خاص إلى:

    أوّلاً – الإرتجاج الدماغي:

    وهو ينجم عن تخلخل “المادة الشبكية” أو “التكوين الشبكي”. والمقصود تحديداً هو “التكوين الشبكي الصاعد” الموجود في أعماق المخ، من جذع الدماغ إلى المهاد. فوظيفته بالغة الأهمية، إذ تنصبُّ على العمل كمرشِّح، أو مصفاة، في عملية إستقبال المعلومات الحسّية الآتية إلى الدماغ، فيتيح مرورها إن كانت متناسقة، بينما يمنع المعلومات الجديدة أو غير المتسقة من المرور. كما يضطلع التكوين الشبكي بمهمّة تنسيق دورة اليقظة (النوم). لكن الإرتجاج الدماغي، على العموم، يفضي إلى حالة مؤقتة، لا تلبث أن تزول. لذا، يصنف في فئة الإصابات الدماغية الرضحية متدنية الشدة. على الرغم من ذلك، قد يفضي تكرره إلى أمراض عصبية دائمة، منها داءا (ألزهايمر) و(باركنسون). والإرتجاج الدماغي هو ما يفسر فقدان الوعي المؤقت إثر الصدمة، الذي يدوم بضع ثوانٍ أو دقائق، وربّما ساعات، إنّما من دون غيبوبة. كما يفسر معاناة المصاب، أحياناً، فقدان ذاكرة طفيفاً، ومؤقتاً، فضلاً عن تخلخل دورة النوم والصحو.

    ثانياً – الوذمة الدماغية:

    بخلاف الحالة السابقة “الإرتجاج الدماغي”، تفضي الوذمة الدماغية إلى آثار فيزيولوجية دائمة في مستوى الدماغ. أمّا الوذمة (الإستسقاء الموضعي) في حد ذاتها، فلا تحصل بالضرورة في مكان الصدمة، إنّما ربّما في مكان آخر من الدماغ. وهي تؤدِّي عموماً إلى بعض أنواع القصور العصبي، مثل فقدان القوّة والسيطرة في مستوى عضلات طرف من الأطراف، أو أكثر، وعدم تناسق الحركات في مستوى بعض الأطناب، وما يُدعى “إنعكاس بابينسكي”، الذي ينصبُّ على عدم مد القدمين بشكل صحيح، ما يفضي إلى إعوجاج نحو الداخل، إضافة إلى عدم تناظر إصبع القدم الكبيرة بالقياس إلى الأصابع الأخرى. وهذه حالة طبيعية عند المولود الجديد والرضيع لغاية سن 6 شهور. لكنها تصبح غير طبيعية بعد ذلك، إذ تعكس قصوراً عصبياً. وقد تظهر مجدداً عند البالغ كإحدى نتائج وذمة ذماغية.

    ثالثاً – الغيبوبة العميقة المباشرة:

    وهذه ليست مجرد فقدان وعي مؤقت، إنّما الدخول في نوع من “السبات” الدماغي الوظيفي الحاد. وسبب الغيبوبة المباشرة (بمعنى أنّها تحل مباشرة عقب الصدمة)، يتمثّل في إصابة “التكوين الشبكي الصاعد”، المشار إليه أعلاه، إنّما إصابة أعمق وأقوى مما هي عليه في حال الإرتجاج الدماغي. كما تتسم هذه الحالة بإنتشار موجة الصدمة، وتفاقمها كلّما اقتربنا من منطقة الدماغ الوسطى، حيث يتمركز تلف الخلايا بشكل خاص. كما تتسم بإصابة عدد كبير من الخلايا العصبية بشكل مستدام وعميق. وهكذا، ينبغي إخضاع المصاب لتصوير بواسطة الـ”سكانر” من أجل تحديد المناطق الدماغية، القابلة للإسترجاع بشكل عاجل، بواسطة عملية جراحية، أو ربّما بضع عمليات متعاقبة، لا يندر أن توفّق في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فبخلاف ذلك، ينتقل المصاب إلى حالة ما يُدعى “الموت الدماغي”، بمعنى أنّ قلبه لا يزال ينبض، لكن أنشطته العصبية متوقفة.

    – دواء ضد الإصابة؟

    طبعاً، ليس وارداً في الوقت الراهن علاج تداعيات الكدمة الدماغية بأدوية. على الرغم من ذلك، يُجري حالياً باحثون من جامعة “واين”، في الولايات المتحدة الأمريكية، تجارب حول دواء يأملون أنّه قد ينفع ضد أضرار “الإصابة الدماغية الرضحية” من خلال تحسين تدفق الدم. فالدواء، المسمّى “كلازوسنتان”، أسهم فعلاً في الحصول على نتائج مشجعة، ولو متواضعة. إذ أدّى إلى تحسين حالة حيوانات مختبر تلقت ضربات على رؤوسها.

    وتقوم “فلسفة” الدراسة على أساس أنّ الإصابة الدماغية تفضي إلى تورّم الخلايا العصبية وتردِّي هيكلتها، وهما العاملان اللذان يركِّز الباحثون جهودهم عليهما. لكن ثمة نتيجة ثالثة غالباً ما تُهمل، تتمثّل في تردي الأوعية الدموية، وتقلصها، جراء “إصابة دماغية رضحية”، ما يفضي إلى تناقص ورود الدم إلى الدماغ، وربّما إنقطاعه تماماً في بعض المواضع.

    وهذا الجانب هو الذي يعملون عليه، من خلال تطوير الدواء، بحيث يسهم في شفاء الأوعية الدموية، بالتالي عودة عمليات الإستقلاب، وبناء الخلايا وهدمها، ما يتيح للخلايا العصبية استعادة ولو جزء من نشاطها.

عن moaid Naser

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*