أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المنوعــــــــــــــــات / القصة التعليمية.. مفهومها وآفاقها المستقبلية

القصة التعليمية.. مفهومها وآفاقها المستقبلية

درج النقاد على إعتبار القصة التعليمية هي التي توجه تلاميذ المدارس بالتحديد والصغار عموماً نحو قيم معيّنة: أخلاقية أو وطنية أو قومية، وربّما دينية أيضاً. ولم يبتعد التاريخ عن هذا الإطار.

    ودخلت في القصة التعليمية الأشعار التي أدرجت في المناهج التربوية كشعر أحمد شوقي مثلاً وحافظ إبراهيم والرصافي وغيرهم، كما أدرجت قصص شعرية أخرى كالقصص الخيالية للفرنسي لافونتين التي تبدأ بحكمة معيّنة أو تنتهي بها هي المحور لهذه القصة الشعرية. ولا نستبعد في هذا المجال بشكل عام ما اغترف من كليلة ودمنة وثبت في المناهج التعليمية على أنّه من القصص التعليمي.

    إذن، فالقصة التعليمية شعراً ونثراً موجودة ومستخدمة للأغراض التربوية حتى أنّ بعض المؤسسات عمدت إلى إصدارات تحتوي عدداً من هذه القصص التي تتماشى مع المجتمع وما يتطلّع إليه من قيم روحية أو دينية وأخرى أخلاقية أو وطنية قومية، وربّما استفادت من التاريخ أيضاً وهو غني جدّاً بما يصلح أن يكون كذلك كقصص الشجاعة والبطولة والتضحية والإكرام، إلخ…

    ولم تغفل قصص الوعظ والإرشاد عن طريق الفكاهة والنكتة كقصص أشعب وجحا وما ورد في المقامات أيضاً.

    والسؤال: مادامت وجدت قصة إسمها القصة التعليمية بشكل أو بآخر، فهل ظلت هذه القصة على حالها أم أنّ التغيُّر قد طرأ عليها؟

    بالطبع، تجاوز الزمن تلك القصص التعليمية المباشرة شعراً ونثراً لتطوّر أساليب التربية الحديثة واقترابها من الطفل المعاصر بالوسائل المتعددة وصولاً إلى تلقينه القيم أو المعلومات إنّما بشكل غير مباشر بعيداً عن الوعظ والإرشاد وعن التقريرية الكاملة التي لا تترك مجالاً للطفل في أن يستنتج أو أن يقرِّر قبول ما يقدم له أو ربّما رفضه.

    فكما أجمعت التربية الحديثة بمدارسها المتعددة على الإنتقال من الكل إلى الجزء في التعليم (أو مدرسة الغيشتالت الألمانية)، كما أُقرت التربية الحرّة التي بدأتها (ماري مونتوسوري الإيطالية) وتفرّعت عنها إجتهادات كثيرة، كذلك دخل التغيُّر في لوائح التربية وانتقلت من الحديث إلى الأحدث حتى أن (مكارينكو الروسي) وضع خططاً تربوية لفتت إنتباه العاملين في حقول التعليم ولو كانت على شكل قصيدة شعرية طويلة.

    هذه نماذج من أسس تربوية تعليمية تعمل على إبتكار مختلف الوسائل التي تجتذب الطفل وتبث فيه الحماسة للتعلُّم وتشوُّقه، وكان لابدّ أن تكون القصة وسيلة من هذه الوسائل. ومن هنا فتحت القناة في الأدب بين القصة وبين التعليم التي ظلت مدة طويلة في نطاق محدد جداً منذ بدأها (جان جاك روسو) بكتابه الشهير (أميل) وقد كانت قصة طويلة، لكنه يحمل أسساً ومبادئ تعليمية وتربوية.

    الملاحظ أنّ الإتفاق على وجود القصة التعليمية في كل أنواع العلوم أصبحت معتمدة في الكتب المدرسية كقصة الخلية، والذرّة، والبذرة، والطيور المهاجرة، والأسماك وغيرها، لكنها لم تلامس عالم الأدب والفن، بل ظلّت أسلوباً فقط أي معلومات تسرد بشكل قصصي دفعاً للملل وإبتعاداً عن المباشرة والسردية وتحاشياً للموعظة الجافة والردع أيضاً (كما في القصص عن النظافة، وإحترام الأبوين وإطاعة المدرس ونظام السير، إلخ…)، وما يعنينا بالطبع نحن هو القصة التعليمية التي تحمل سمات الأدب أي أنّها فن ومعلومة أو توجيه وإرشاد بآن معاً. ومن هنا يمكن أن نقول: هل توجد قصة تعليمية بهذا المعنى أم لا؟

    من الملاحظ أنّ القصة التعليمية بهذا المفهوم لم تأخذ مسارها حتى الآن بالنسبة لأطفالنا لأسباب كثيرة، منها: المناهج التربوية التي لا تزال بعيدة نسبياً عن الإعتراف بالقصة التعليمية كمنهج ثابت وناجع، ولأن هناك فاصلاً بين مَن يكتبون القصة التعليمية وهم مزودون بالمبادئ العلمية والتربوية، وبين الذين يكتبون دون ذلك ويطلقون على إنتاجهم إسم القصة التعليمية أو يدخلونا في نطاقها، بينما هي خارجة عنه من ناحيتين:

    أوّلاً: عدم دقّة المعلومة أو تحديد الهدف منها.

    ثانياً: الوقوع في المباشرة بعد أسطر قليلة أو بمعنى أصح عدم الإلمام بشروط القصة التعليمية الجيِّدة.

    إذن، من هنا نستنتج أنّ المسؤولية تقع على الكُتّاب أوّلاً الذين لم تتضح لديهم معالم القصة التعليمية، فإذا كانوا لا يجيدون هذا النوع فعليهم ألا يقتربوا منه، ونستطيع القول إنّه يجب أن يكون للقصة التعليمية كُتّاب خاصّون بها أو متخصصون في هذا النوع من القصة خاضعون لشروطها ومتطوّرون حسب النقاط المطلوبة من القصة ومرنون بشكل يمكن أن يستوعبوا واقع الطفل لإيصال ما يراد إيصاله ضمن الأهداف المحددة. فمثلاً لو أنّنا نتحدّث عن قصة النحل وكانت غايتنا الإنتباه إلى النظام والدقة في الهندسة المعمارية وإطاعة ملكة النحل، فلا يجوز أن نشتت إهتمام الطفل بوصف الحقول مثلاً أو الأزهار أو بصنع مادة العسل وفوائدها، إلخ…

    في هذه الحال، وضمن الإمكانات المتاحة لكُتّاب الأطفال ومن ملاحظاتي وقراءاتي، أقول إنّ على الكاتب أن ينتبه إلى الفن القصصي المشوق أوّلاً كفن، وبعد ذلك يتقصّى المعلومة المطلوبة ثمّ يحدِّد الهدف الثابت والمطلوب. ولا بأس من رجوعه إلى المصادر والموسوعات من أجل ذلك ثمّ أن ينتبه إلى سياق القصة بحيث لا تتنافى قيمة ما في القصة مع قيمة أخرى، كأن نؤكِّد مثلاً على قيمة النظافة دون أن نتهاون في أن يكون الماء من أجل هذه النظافة مسروقاً مثلاً أو مأخوذاً بمشادة أو غفلة من بيت الجيران. فماذا يفيد لو كرسنا لقيمة النظافة وأغفلنا قيم الحق والأمانة وما شابهها؟ وهكذا.

    ونستطيع القول إنّ الحكم الأساسي على النوع من القصص يتعلق أوّلاً ببرنامج معيّن أو لائحة تتماشى مع الأهداف التربوية حسب تسسلسل الأعمار، وقد تعلن وزارة التربية عن هذه الأهداف وتفتح المجال للقصة التعليمية فتكون كالكتاب الرديف. أمّا الأهداف الإجتماعية، فهي كثيرة جداً ولا تخفى على كاتب القصة التعليمية، كما أنّ الأهداف الوطنية والقومية والأخلاقية والروحية إنّما تُستمد من البيئة والمحيط وتكون نابعة من الكاتب لأنّه يحمل مسؤوليته ككاتب أساساً وكمسؤول عن القصة التعليمية التي تصدى لها وأخذها على عاتقه.

    كما أنّه من المهم أن تتلاءم كمّية المعلومات أو القيم مع أعمار الأطفال بحيث لا يُبث كثير منها في عمر مبكر، كما أنّها لا تكتظ بها أي المعلومات حتى في عمر أكبر لئلا يشتت إنتباه الطفل وتفقد القصة قيمتها.

    والأكثر أهمية هو الأسلوب القصصي الجذاب الذي تختفي وراءه الأهداف المنشودة بحيث تتاح الفرصة للطفل لإكتشافها أو العثور عليها ومن ثمّ تلقيها والإقتناع بها والتشبث فيما بعد بجوانبها.

    ولا شكّ أنّ أخطر مزالق القصة التعليمية هو الحوار الذي يجب ألا يكون جافاً أو منقولاً كمعلومة بحرفيته، أو أن يكون مفتعلاً بين السائل والمجيب كما بين المعلم والتلميذ، لأنّ الحوار في هذه الحال يُلغي دوره بنفسه كحوار ويعود إلى المباشرة التي ينفر منها الطفل، إذ يظل سلبياً ومتلقياً ومنفعلاً لا فاعلاً في القصة مندمجاً أو منسجماً معها.

    –         فوائد القصة التعليمية:

    للقصة التعليمية فوائد كثيرة لا تحصى وقد ثبتت هذه الفوائد لدى الأُمم التي استخدمتها في العلوم الحديثة وفي التكريس لأمجادها وتاريخها وحتى في التنبؤات نحو المستقبل كعلم الفضاء والذرة وغيرها، وهذا النوع يلامس قصص الخيال العلمي لكنه يتوقف عند حدود الحاضر ولا يلقي بتنبؤ نحو المستقبل.

    ومادمنا نحن العرب نسير في ركب التطوُّر والتقدُّم ونأخذ من المدارس التربوية ما يلائمنا وما يعطي نتائج ملموسة لدى أطفالنا، فما علينا إلا أن نؤكِّد على ضرورة القصة التعليمية وتشجيع الكُتّاب عليها، وبالتالي إدخالها إن لم يكن في المناهج التعليمية أساساً إنّما في الإطار الذي يواكبها ويماشيها وخاصة في التنظيمات الطفلية، وفي كتب صغيرة الحجم ومزيّنة بالرسوم الجميلة التي تملك أهدافها التعليمية والتربوية إلى جانب القصص الفنّي الجذاب.

    وأؤكِّد هنا على أنّ القصة التعليمية يمكن أن تدخل إلى كافة العلوم والفنون وإلى المواد التعليمية حتى الصعبة منها كالرياضيات والجغرافيا، فما بالنا بالتاريخ الذي نحرص على تلقينه لأجيالنا؟ فلماذا لا يكون على شكل قصة؟

    وبهذه المناسبة، تروي إحدى المعلمات في صفوف إبتدائية تجربتها مع القصة التعليمية التاريخية عندما لم تستطع تقريب مفهوم الزمن بالنسبة لملوك فترة تاريخية معيّنة، فإذا بها تنتقي عدداً من الأطفال وتُسمِّي كلاً منهم بإسم واحد من الملوك، وعندما أمسكوا بأيدي بعضهم بعضاً أدركوا الفارق بين ملك وآخر بحيث صاحت طفلة: “آه.. إنّه قريب منِّي جدّاً”.

    وهكذا استطاعت المعلمة أن تثبت فكرة الزمن الفاصل بين حكم ملك وآخر، كما قربت لهم ما كان خافياً عليهم من التاريخ عن طريق القصة التي تبادلوا حوارها.

    وبما أنّ الطفل العربي يملك خيالاً خصباً، ويميل إلى القصص والحكايات التي لا يزال يسمعها من الأُمّهات والآباء والجدات، فيمكن الإفادة من هذا الخيال أوّلاً ومن تلك القصص ثانياً بحيث يتم تطويرها وإدخال قيم جديدة عليها هي المستهدفة. ولابأس أيضاً من إعادة النظر في القصص التعليمية التي كانت مبثوثة في الكتب حتى المدرسية منها وتلك الأخرى الراسخة في الأذهان بأن تؤخذ هذه القصص وتطرح ضمن مفاهيم جديدة أو بإسقاطات معاصرة، كما في قصص الثعلب والغراب، والنملة والصرصار، والأرنب والسلحفاة، والكنز المدفون في الحقل الذي هو العمل والجد والنشاط، إلخ…

    كما وأنّه تجدر الإشارة إلى أنّ الإذاعة والتلفزيون هي القنوات الهامة جدّاً والتي يمكن أن تعبر منها القصة التعليمية سواء في برامج التسلية أو في البرامج الهادفة للتعليم. وتكون بذلك مادة محببة ومسلية لا كمادة جافة لا يستسيغها الصغار، بل ينفرون منها. وهذا يتماشى مع خطة مركزة للتلفزيون التعليمي والإذاعة التعليمية كما في برامج التسلية والإمتاع.

    وبما أنّ الأُمِّيّة لا تزال في قطاع كبير من الآباء والأُمّهات خاصة، فإنّ هذه القصص التعليمية يمكن أن تأخذ طريقها إليهم، وبالتالي تتسرّب إلى أطفالهم لاسيما إذا كانت تتلاءم مع المخزون والموروث من الأفكار وتنسجم مع العصر من جهة ثانية بحيث تخلق عالماً متكاملاً بين الطفل والبيئة من حوله.

    وأخيراً، بما أنّ الكتاب لا يصل إلى الأسرة عموماً وإلى الطفل خصوصاً بشكل متواتر وغزير لأسباب كثيرة لا موجب لذكرها ولعل أهمّها الإقتصادية، فإنّ القصة التعليمية يمكن أن تلعب دوراً كبيراً لأنّ الأطفال يتناقلونها ويكونون كوسائل إيصال لها فتتسع الدائرة حتى تشمل أكبر عدد ممكن منهم.

    –         خاتمة:

    إنّ كل ما ذكرت لا يعني أن نجعل القصة التعليمية هي المحور والأساس في الكتابة للأطفال أو في أدب الطفل.. إنّها جانب من الجوانب ولو أنّه هام جداً، لكن الآفاق مفتوحة في أدب الأطفال لأنواع منوّعة من القصص العلمي، والخيالي، والخيال العلمي، والتراثي والتاريخي، والديني، إلخ… إنّما المهم أن نرسخ هذا الجنس الأدبي وأن نوليه الإهتمام اللازم والرعاية الكاملة وأن نقف أمامه بإحترام لأنه أساس من الأسس التي تبنى عليه شخصية الطفل في المستقبل، فهو فن مسؤول من كافة الجوانب وليس أخطر من السير في أرض لا ندري ماذا ستكون عليه البذور التي نبذرها فيها.. هل ستكون صالحة أم تكون ضارّة وسامّة.

    * أديبة وقاصة من سورية، لها إسهامات قصصية عدّة، لاسيما في مجال القصة الطفلية، من أعمالها “السلحفاة نسمة”

عن moaid Naser

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*