أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / تبني النظام الرئاسي

تبني النظام الرئاسي

بقلم: صادق كاظم

لم ينجح النظام البرلماني الذي تم تبنيه كإطار للحكم في العراق في صياغة مشروع هوية دولة وطنية مستقلة تكون بمنأى عن الخلافات والصراعات والانقسامات الحزبية التي تسببت بتعطيل اقرار القوانين والتشريعات وانعكاسه سلبا على الوضع الامني الذي لم يجد حلا وتسبب بسقوط عدد كبير من الضحايا جعلت العراق يتصدر قائمة الدول في العالم في عدد ضحايا الارهاب. تجربة السنوات السابقة من عمر التجربة البرلمانية الحاكمة في العراق اثبتت الحاجة الى مراجعتها، خصوصا وان التوصل الى فريق برلماني وسياسي منسجم ومتقارب في الطروحات والرؤية الستراتيجية لمستقبل البلاد ومشاكلها الرئيسية يعتبر امرا صعبا مع توفر مناخات القطيعة والتباعد والاختلاف المزمن واستغلال الازمات والمواقف المتشنجة، فضلا عن انعدام الثقة بين المكونات السياسية وعدم حسم الخلاف بشكل نهائي يجعل من التجربة السياسية في العراق ذات عمق معرفي وثقافي وسلوكي يحصنها ويحميها من الهزات والزلازل.

يظل الارث المتأزم القومي والمذهبي بين مكونات الشعب العراقي عامل تعويق كبير بالرغم من مساحات التعايش المذهبي والقومي الاصيل بين العراقيين بعيدا عن فخاخ السياسة وألغامها القاتلة التي جذبت هذا الاختلاف نحو فضاء سياسي مشبع بخطابات الكراهية واستحضار الماضي في التعامل وعدم تطويع هذا الخلاف وترويضه وتحويله الى عامل تقارب سياسي واجتماعي ينزع فتيل الخلاف والطائفية السياسية التي اصبحت وحشا يلتهم الدولة والمواطنين ويعطل مسيرة الدولة بعناوينها المختلفة .

ينقل عن وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل بعد نجاح البريطانيين بالاستيلاء على العراق بعد هزيمة الدولة العثمانية التي كانت تسيطر عليه لخمسة قرون رغبته بتحويل ولايات العراق الثلاث الكبرى التي تشكلت منها دولته لاحقا الى دولة قوية في الشرق الاوسط يحتمي كل مكون فيها بالآخر وينزع عنها ارادة الصراع والتمرد والعيش في دولة يقودها ابناؤها المتعايشون بسلام، لكن مشروع تشرشل الذي بني على واقعية مفرطة في المثالية وغير موجودة تحول الى كابوس على يد مجموعة الضباط الشريفيين من اعوان الملك فيصل الاول وبمؤازرة المندوب السامي البريطاني وقتها السير بيرسي كوكس، حين انشأت هذه المجموعة تحالفا غير بريء احتكرت بموجبه مؤسسات السلطة والحكومة والجيش وظلت تتبادل ادوار الحكم والرئاسة وتتصاهر فيما بينها لإحكام قبضتها على السلطة بشكل شوفيني واقصائي ودشن ذلك الاتفاق الشهير بين كوكس وعبد الرحمن النقيب الذي شكل اول حكومة سارت لتنفيذ هذا المشروع السياسي الخطير الذي تحول الى عامل فرقة واختلاف وعزلة.

لم يتمكن هذا النظام من الصمود طويلا بعد ان اصيب بالانسداد السياسي ، حين فقد صلاته بالشارع العراقي بعد ازدياد معدلات البطالة والفقر بعد الانهيار الكبير الذي عانى منه الريف العراقي والاحتقان السياسي المتصاعد في الشارع وانهيار بريطانيا العظمى حليف النظام الملكي وخسارتها لمنطقة الشرق الاوسط لحساب الولايات المتحدة .

عقدة القطيعة والاختلاف تعود لطبيعة اجتماعية غير منسجمة تهيمن في اذهان وسلوكيات الافراد العراقيين ويعزوها عالم الاجتماع الكبير المرحوم الدكتور علي الوردي الى مفهوم التغالب المستمد من الارث البدوي وانتقالته السريعة الى داخل الجسم العراقي المديني، حيث تتجرد الشخصية العراقية من طبيعتها المسالمة لتتحول الى طبيعة الميل الحاد للفوضى وعدم الانضباط والخضوع والطاعة للقانون والنظام وهو ما يفسر بقاء المجتمع العراقي ضمن الحالة الانتقالية بين البداوة والحضارة، بل ان واقع المدينة الممثلة للحضارة قد تردى كثيرا، حين تمت عملية ترييف المدن واخضاعها لمفاهيم البداوة وقيمها العشائرية واعرافها المتصادمة مع الطبيعة الحضارية للمدينة بفعل التحولات الاجتماعية والسياسية السريعة التي مرت بها البلاد خلال العقدين الاخيرين .

استمرار تراكم الاخطاء والازمات ووقوع البلاد في ازمة مستمرة من الارهاب والخلاف السياسي وتعطل مشاريع الاعمار والبناء وهيمنة مافيات الفساد المالي والاداري على المال العام وعدم وجود سياسة ناجحة وسريعة ومعلنة تتصدى لها، فضلا عن عجز البرلمان المزمن في التحول الى قوة تشريعية فاعلة ومؤثرة تتمكن من حل النزاعات وتقنينها والتأسيس لنظام سياسي مستقر، كل هذه امور تجعل من مراجعة شكل هذا النظام امرا ملحا ومطلوبا باتجاه التحول نحو النظام الرئاسي ،خصوصا وان شروط بقاء هذا النظام البرلماني شكلا وموضوعا من تعايش واستقرار وتصالح بين المكونات والاحزاب السياسية امر مشكوك به لا سيما وان النظام الرئاسي يعالج الكثير من نقاط الخلل التي يتسبب بها تطبيق النظام البرلماني من تشكيل الحكومة من ائتلافات واسعة وفضفاضة ومتباعدة ومختلفة فيما بينها وتحكمها اجندات سياسية متقاطعة ومتخاصمة مع وجود برلمان غير معارض، بل مساير للحكومة باعتبار ان الكتل الممثلة في البرلمان هي نفسها المشاركة في الحكومة ما يجعل من هذا النظام ضعيفا ومحاصرا بالخلافات والازمات المتوالدة من دون حل نهائي لها .

النظام الرئاسي البديل يضع الهيئة التنفيذية بيد رئيس الدولة المنتخب باقتراع مباشر من الشعب والذي يكون رئيسا للوزراء في الوقت نفسه وهو الذي يختار التشكيلة الحكومية بعد اخذ موافقة مجلس النواب. النظام الرئاسي يضمن الاستقرار السياسي لدورة انتخابية كاملة، حين يحصر السلطة بيد الرئيس وليس بيد رئاسات ثلاث ويضمن عدم وجود تقاطعات حزبية داخل مجلس الوزراء وعلاقتها بالرئيس، فضلا عن انه يوفر للرئيس والبرلمان حرية عمل كاملة ويضمن اقرار المشاريع والقوانين في الوقت المحدد من دون تعطيل او خلاف .

النظام الرئاسي يعزز مفهوم الوحدة الوطنية ويلغي الانتماءات القومية والمذهبية الضيقة حين يوحد الشعب خلف الرئيس المنتخب ،بل ايضا يمكن ان يكون بداية لظهور تكتلات حزبية وسياسية مشتركة تضم مختلف مكونات النسيج العراقي تنزل بقائمة موحدة متحالفة في مختلف المحافظات العراقية ويمكنها التنافس في محافظات الجنوب والوسط والمنطقة الغربية واقليم كردستان بدلا من حالة الانغلاق القومي والمذهبي التي تهيمن على المشهد الانتخابي العراقي الذي يعكس حالة انقسام وشرخ خطيرة في الجسم السياسي العراقي العاجز عن انشاء احزاب سياسية تضم كل مكونات الطيف الوطني كالتي كانت موجودة في العهد الملكي كالحزب الوطني وحزب الاستقلال وحركة الاهالي والحزب الشيوعي العراقي وهي الاحزاب التي كانت تنادي بوحدة الامة العراقية وتؤكدها سلوكا وعملا ومنهاجا .

لقد جرب الافغان النظام الرئاسي منذ سقوط نظام حكم طالبان وهم شعب دولة تمتاز بتنوعها القومي والمذهبي الشديد الاختلاف والذي يصل الى حد القتال والحروب الاهلية التي استمرت منذ العام 1979 ومع ذلك نجح هذا النظام مع وجود برلمان يراقب عمل الحكومة بفاعلية شديدة ويحاسبها ما يدل على كفاءة ونزاهة اعضاء هذا البرلمان المنتخب الذي لم يعطل موازنة واحدة ولم يصوت اعضاؤه لقانون خاص بامتيازات خرافية تجعلهم من كبار الاثرياء بينما شعبهم يعاني من الارهاب والفقر والبطالة ولم يتهم عضو واحد منهم زميله بتهم طائفية وسياسية تجرح مشاعر هذا النائب واتباع تلك الديانة والمذهب ولم يتهم اي عضو في البرلمان جيش البلاد الوطني بانه جيش لطائفة معينة ،بل انهم ذهبوا ذات يوم الى احد معسكرات الجيش الافغاني في جنوب البلاد معقل حركة طالبان لمؤازرة الجنود ودعمهم سياسيا واعلاميا.

لقد مل المواطن العراقي من استمرار سنوات التخاصم الطويلة التي غطت الفترة السابقة والتي انتجت العديد من الحكومات المنتخبة والبرلمانات التي كانت مثالا للتناحر والانقسام، الامر الذي ولد عجزا وبطئا شديدا في اتخاذ القرارات لدرجة ان البرلمان وبالرغم من مرور 11 عاما على التغيير لم يتمكن من اقرار قانون العلم والنشيد الوطني الذي سيبقى مؤجلا الى امد غير معروف بسبب الاعتراضات ورغبة كل مكون بأن يكون النشيد الوطني من حصته وهي حالة مؤسفة تعكس المرض الخطير الذي اصاب الجسد العراقي السياسي المبتلى بامراض وعلل عملية المحاصصة الطائفية والسياسية التي فشلت وستفشل في انتاج نظام سياسي يعيد للعراق عافيته ودوره السياسي الذي اصبح ماضيا نتحسر عليه بكل مرارة وألم.

عن Faily IQ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*