أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / السياسة..عتمة مثقف

السياسة..عتمة مثقف

بقلم: علي شايع

 أحاول جاهداً، وبقدر تجربتي الكتابية المتواضعة، اختيار عنوان لكل كتابة ليكون دالاً، بمعنى الوصول العاجل، ومعنى أن يكفي، ويفي؛ بأقل (إيمان) القارئ العجول، فيقرأ “المكتوب من عنوانه”.

ويا لها من مشقّة، لحظة يصبح التعويل على كلمة أو كلمتين خلاصاً بالمعنى إلى جدواه، والمحنة أشد وأعتى حين تكون تلك الكتابة في المجال السياسي، إذ تأخذ الكثير من كتـّابنا مشاغل البوح السياسي، عن حقيقة آمالهم بالحرف كصانع أدبي، لا وسيلة لمحمول لا يمكث في الأرض، ويتيه كالزبد بلا رسوخ، وربما لا يُرى بهيبة بياض الزبد أحياناً.

حين وضعت عنوانا أوليا لهذه الكتابة، جاء بصيغ مختلفة، كفيض العناءات المتواترة عن محنة إيجاد عنوان دال، قلت لأعنونها” عتمة المثقف”، وانتبهت إلى إن الحديث سيكون في الشأن السياسي، ناقداً للتعتيم على المثقف، أو تجاهله، فبرّرت لنفسي أمل وصول المقصود لورود مفردة “العتمة” فهي السياسة بعينها، أو على الأقل ما نتخبط في ثناياه ولا نرى في لجـّته أطراف الأصابع غالباً.

ولم أقتنع بنتيجة العنوان ووضعت كلمة أخرى، ففشل إصراري أمام بقاء “المثقف الفاعل” مضيئاً/ مشرقاً، ولا بد أن يكون ندّه المأمول في الوصف؛ مريعاً، ومهولاً كعتمة أحاطت شمعة تدمع ضوءاً، ولن يطفئها ظلام العتم وعصفه.

وحضور المثقف في مشهد وجوده الاجتماعي والسياسي الفاعل سيكون حضوراً يليق به قول المتنبي: (وَظَـنِّهِم أَنَّـكَ المِصباحُ في حَلَبٍ / إِذا قَصَدتَ سِواها عادَها الظُلَمُ). وحزنت لاستذكاري هذا البيت الرائع، ربما لأني سمعته أول مرة في سوق حلبية سنة 2000 بصوت الشاعر العراقي الشجي الراحل غريباً مهدي محمد علي، في يوم من يتم الدهر، جمعني به، وبلقاء سعيت إليه بعد انتظار سنوات، قصد زيارته بمدينة منفاه (حلب)، لتقديم فروض العرفان الشخصي؛ فهو أول من نشر لي نصاً أرسلته منفياً في صحراء رفحاء، وتصدّر صفحة ثقافية كان يديرها لمجلة عراقية مغتربة، وطالما أزاح العتم بروحه النبيلة، وهو يكاتب شعراء وكتاب المُعتقل، ويرسل أعداداً من الصحف والمجلات الأدبية والسياسية من إنفاقه الشخصي، رغم ضعف حاله المادي.

عانقني باكياً، وتحققت لي صحبته متجولاً في أسواق حلب. قال لي ونحن ندلف بوابة سوق عتيقة: “قبل أكثر من ألف سنة كان المتنبي غريباً- مثلنا- يمشي في هذه السوق ليتبضّع” وأضاف: “والغريب أن السوق كان عمرها أيامها أكثر من ألف سنة، وها نحن فيها بعد ألف سنة، ولعلّ قول المتنبي عن العتم والظُلام الحلبي، بسبب دهاليز السوق التي تراها، فهم يسمون هذه السوق أيضا سوق العتمة!”.

الأيام مرّت والسنوات تتوالى عتمة بعد عتمة، مثل تسارع هذه الأسطر في العدّ دون أن أكتب ما كنت أعنيه، من دور للمثقف في الفعل السياسي، وهو يقرأ ويكتب ويوثّق ويناقد، ليعيش هاجس الأدب بنقد يخالط السياسة، ولا يصل.

عن moaid Naser

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*