أخبار عاجلة
أنت هنا: الرئيسية / المقــــــالات / الحاجة إلى قانون تنظيم الموازنة

الحاجة إلى قانون تنظيم الموازنة

بقلم: باقر جاسم محمد

 تمثل الموازنة السنوية عصب اقتصاد الدولة الحديثة، فهي يجب أن تتضمن تصوراً تخمينياً لواردات الدولة المالية المتوقعة من الضرائب والرسوم والمداخيل المالية الأخرى نتيجة استثمار الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والمعادن وغيرها، فضلاً عن القروض والهبات، ويجب أن تتضمن أيضاً تحديد أبواب إنفاق هذه الواردات في الجوانب التشغيلية والدفاعية والاستثمارية وخدمة الديون وتسديد القروض السابقة المستحقة.

وإذ يستفيد واضعو الموازنة من المعطيات الإحصائية على مستوى البلاد كافة، فإنها في الوقت نفسه تتيح للمخططين والاقتصاديين القيام بعملية مقارنة الواردات والنفقات لمعرفة إن كانت الموازنة تعاني من العجز نتيجة كون الموارد أقل من النفقات، أو فيها فائض نتيجة كون الموارد أعظم من النفقات، أو أن الإيرادات والنفقات متوازنة، وهذا مما سينعكس على تدعيم عملية التخطيط المستقبلية إذ لا تخطيط بدون موازنة مالية دقيقة.

ومن الأمور المهمة التي يجب أن تؤخذ في الحسبان أن يكون وضع أبواب صرف الميزانية على وفق أسس معينة نابعة من التوجهات العامة الممثلة لسياسة الدولة في البناء الاجتماعي والسياسي، وذلك من خلال تحديد أهداف وسياسات اقتصادية وتنموية واجتماعية بعينها وتوجيه أبواب الصرف بما يحقق هذه الأهداف في مديات زمنية محددة. وهذا يعني أن الموازنة ليست قائمة من الأرقام الصماء التي تتضمن الواردات والمصروفات فحسب وإنما هي الصك أو التعبير المالي والنقدي عن فلسفة الدولة الاجتماعية والسياسية وعن خططها المستقبلية لتنفيذ هذه الأهداف.

وما دام الاقتصاد يمثل العامل الأساسي في قوة الدولة بما يدعم سياساتها الداخلية والخارجية، فإن للموازنة تأثيراً كبيراً على جوانب السياسة الخارجية للدولة أيضاً، وهو الأمر الذي يجب أن ينعكس على تنظيم موازنة الدولة أيضاً. ولما كان النظام السياسي في العراق بعد 9/ 4/ 2003 ذا طبيعة لا مركزية، فإن إعداد الموازنة العامة يجب أن يترجم هذه الحقيقة بحيث يكون هناك تصور عام للموازنة على المستوى الاتحادي وتصور آخر للموازنة على مستوى الأقاليم والمحافظات، وأن لا يكون هناك أي تناقض بين وجوه الإنفاق الاستثماري بين المستويين الاتحادي والمحلي أو الإقليمي، خصوصاً وأن بعض المشاريع المهمة تتجاوز من حيث مناطق إنشائها أو تأثيرها حدود الأقاليم أو المحافظات مثل السكك الحديد والطرق العامة والمطارات والسدود والصناعات الستراتيجية مثل صناعة استخراج النفط وتكريره والصناعات الثقيلة. وهذا يظهر أهمية تكامل مستويات إعداد الموازنة.

وسواء تم إقرار الموازنة في وقت قريب أم لم يتم ذلك، فإن أزمة إقرار قانون الموازنة الأخيرة كانت ذات نتائج سلبية خطيرة على الاقتصاد والأمن والمجتمع في العراق، والحقيقة أن التلكؤ في إنجاز الموازنة في وقتها المحدد وعدم إقرارها قبل بدء السنة المالية أمر يتكرر منذ بضعة سنوات، وهو مما يكشف عن غياب تصور دقيق عن الأهمية الكبرى للموازنة في الدولة الحديثة، وهو أيضاً مما يؤدي إلى تحول قضية إعداد الموازنة إلى لعبة سياسية وأداة في التعطيل السياسي دون إدراك لخطورة مثل هذا السلوك. ومن هنا نرى أن هذه الأزمة المتكررة تؤكد الحاجة الماسة إلى إصدار قانون جديد دائم باسم (قانون تنظيم الموازنة) لكي يعالج نواحي القصور التشريعية والإدارية والتنفيذية التي تصاحب إعداد الموازنة وإصدارها سنوياً بقانون خاص يسمى قانون الموازنة السنوي الذي يكون نافذاً للعام الذي صدر فيه فقط، فقانون الموازنة السنوي يكون دورياً ويتضمن موازنة الدولة وحساباتها في عام بعينه، على سبيل المثال، قانون الموازنة للعام 2011 يختص بموازنة الدولة وحساباتها لهذا العام فقط، يجب إصدار قانون آخر في كل عام ليتضمن موازنة الدولة و حساباتها للعام 2012، وهلم جراً. أما القانون المقترح فلن يتضمن أية حسابات أو أرقام وإنما سيكون قانوناً تنظيمياً لطريقة إعداد الموازنة وما يجب أن تتضمنه من أبواب وفصول وتحديد مسؤولية الجهات التنفيذية والتشريعية في إطار العمل على إنجاز قانون الموازنة بصورة صحيحة وصدوره في الوقت المناسب ومن دون أي تلكؤ.

وبما أن إعداد الموازنة وتنظيمها لا يجري من قبل وزارة المالية فقط وإنما يتم من خلال إسهام كل وزارات الدولة ودوائرها ومؤسساتها، فإن القانون المقترح يجب أن يحدد واجبات هذه الوزارات والدوائر والمؤسسات ومسؤولياتها في الإعداد و التنظيم والمدد الزمنية المتاحة لها لإنجاز ذلك؛ لذلك يجب أن ينص (قانون تنظيم الموازنة) المقترح على تواريخ محددة تلتزم هذه الوزارات والدوائر والمؤسسات في إنجاز الجوانب المسؤولة عنها. وفي حال تلكؤ أية وزارة أو دائرة أو مؤسسة غير مرتبطة بوزارة في إنجاز المطلوب في الوقت المحدد، يعزل الوزير أو الشخص المسؤول عنها وتجري محاسبته على ذلك التأخير. ويجب أن تخضع الحكومة للمساءلة في البرلمان في حال عجزها عن إعداد الميزانية قبل 45 يوماً من انتهاء السنة المالية النافذة ما يعطي البرلمان فرصة لمراجعة الميزانية ومناقشة بنودها واقتراح ما يراه من التعديلات في مدة لا تتجاوز ثلاثة أسابيع.

وفي حال وجود اعتراضات، تعاد الميزانية إلى مجلس الوزراء الذي يجب أن ينظر فيها في مدة لا تتجاوز الأسبوعين ومن ثم إعادتها إلى البرلمان لغرض المصادقة عليها. وفي حال عدم موافقة مجلس الوزراء على التعديلات، فانه يجب أن تعقد جلسة لمناقشة الميزانية بحضور رئيس وأعضاء مجلس الوزراء لمناقشة أسباب الرفض. وفي حال إصرار البرلمان على رفض الميزانية بصورتها الأولى من خلال التصويت بالأغلبية، يعد هذا القرار سحباً للثقة من الحكومة، فتتحول إلى حكومة تصريف أعمال لحين تشكيل حكومة جديدة. وفي الأثناء، يكون الصرف على أساس 1/ 12 من موازنة العام المنصرف لأشهر السنة المقبلة، أو لحين تشكيل الحكومة الجديدة وإجرائها للتغييرات المطلوبة على مشروع الموازنة. وفي حال حدوث مشكلة المقاطعة لجلسات البرلمان لتعويق إقرار قانون الموازنة السنوي، فانه يجب تأجيل الجلسة لمرة واحدة، ولمدة لا تتجاوز اسبوعاً واحداً لإجراء المشاورات ومحاولة التغلب على الخلافات، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، أو عدم اكتمال النصاب، فانه يجب تمرير قانون الموازنة السنوي بأغلبية الحاضرين أياً كان عددهم. وهذا الأمر سيجعل الجميع يحضرون في مناقشة الموازنة أما لإقرارها أو لرفضها. وفي هذه الحالة سيكون القرار معبراً عن رأي الشعب عامة، وليس رأي هذه الفئة أو تلك.

قلنا سابقاً انه يجب أن يكون هناك سقف زمني لتقديم الموازنة كاملة وبحساباتها الختامية إلى البرلمان الذي يجب أن ينظر فيها في مدة زمنية محددة. والحقيقة أن خلو الميزانية من الحسابات الختامية مشكلة رافقت إعداد الموازنة في السنوات الأخيرة، و ينبغي القول أن هذا الأمر يمثل نقصاً خطيراً في الموازنة, وينبغي توضيح أن الحسابات الختامية تكون للسنة المالية المنصرمة وليس للسنة المالية المقبلة. وفي حال وجود الحسابات الختامية المنوه عنها، فسوف يكون هناك تصور واضح لما تم تنفيذه وما لم يتم تنفيذه من الموازنة السابقة؛ كما سوف يظهر حجم الأموال المدورة، وهي الأموال التي لم يتم إنفاقها في السنة المالية الماضية. وسوف يمكن الاستفادة من هذه الأموال المدورة في تدعيم الموازنة المقبلة. وأخطر ما في الموازنة التي تخلو من الحسابات الختامية أنها ستؤدي لا محالة إلى تصاعد وتيرة الفساد لأنها ستترك مصير هذه المبالغ الجسيمة غامضاً فلا يعلم الشعب ما المبالغ التي تم صرفها وماذا تحقق نتيجة ذلك وكيف. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن الحسابات الختامية من أهم الإجراءات التي تغلق الباب أمام الفساد المالي.

وهكذا فإننا نأمل أن نكون قد أوضحنا الأهمية القصوى لإصدار (قانون تنظيم الموازنة) لأنه سيحقق الآتي:

1 – سيجعل من الموازنة أكثر كفاءة في تنفيذ السياسات العامة للدولة.

2 – سيقضي نهائياً على مسألة التأخير في إعداد الموازنة أو في تشريعها.

3 – سيسد كثيراً من منافذ الخلاف السياسي غير الصحي.

4 – سيسد باباً من أكبر أبواب الفساد من خلال استيفاء شرط أن تكون الموازنة مصحوبة بالحسابات الختامية للموازنة السابقة.

5 – سيمكن الدولة والحكومة من الوفاء بالتزاماتها الداخلية و الخارجية.

6 – سيجعل عملية إعداد الموازنة وتشريعها مسؤولية اجتماعية وتنفيذية وسياسية للجميع.

ولذلك كله، فإننا ندعو المتخصصين في الشؤون المالية والقانونية، وكذلك الحكومة والبرلمان الحاليين أو القادمين إلى الشروع بمناقشة مسألة إعداد قانون تنظيم موازنة الدولة منذ الآن حتى يمكن صوغه وتقديمه للبرلمان وتشريعه في أقرب فرصة ممكنة، فليس من الصحيح التلكؤ في مثل هذه القوانين المهمة خصوصاً وأنها تتعلق بمصير البلاد الاقتصادي

والسياسي.

عن moaid Naser

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*